مقالات

منعاً للخربطة: عفرين اليوم كما الأمس. إقليم من أقاليم الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا

سيهانوك ديبو

من دون شك فإن أرخميدس مصيب في نظريته: اعطوني نقطة ارتكاز؛ وأنا بِعَتْلَةٍ؛ أرفع لكم العالم كله. ومصيب كذلك فيثاغورس وعلماء الأرقام المستندين إلى نظريته بأن هناك صلة ارتجاجية بين الإنسان والأرقام التي تحيط به. كما أن أوجلان مصيب أيضاً في تركيزه وتعويله على طاقة الكوانتوم المجتمعية وبُعدها النوعي بالإضافة إلى القيمة الكميّة التي تُحْدِثها بالتكامل ما بين الذات والموضوع. وهذا ما يؤكد بدوره بقدر معرفتنا لطاقة الكوانتوم فبإمكاننا إدراك المستقبل وأن أيّ مستقبل لا يمكن أن يكون ثمرة من ثمار الصدفة. في ذلك؛ كما الحال في قضية مقاومة عفرين التي لم تكن صدفة؛ إنما أحدثتها كوانتوم المقاومة المجتمعية الناتج بدوره عن مشروع تأسيس المجتمع الأخلاقي السياسي المتحرر جنسوياً فنحو الأمة الديمقراطية. وأن الدخول الفعلي لوحدات عسكرية تتبع للجيش السوري –يتحدث لسان حالها عن دور محوري لهم في دير الزور من غرب الفرات ضد داعش وصولاً إلى مطار أبو الضهور في إدلب الذي كان تحت سيطرة جبهة النصرة وفصائل مسلحة تتحرك بإمرتها؛ وكليهما متحركيِّن وفق الأوامر التركية؛ وفقاً لأجندتها المدمِّرة. هذا الدخول الذي حصل بشكل فعلي اليوم؛ يوم المقاومة الرابع والثلاثين؛ يعني قبل كل شيء أن مقاومة عفرين حققت بعدها الوطني وأن قضية عفرين هي قضية سوريا قبل أن تكون قضية الكرد في سوريا؛ الكرد الذين باتوا أهدافاً معلنة من قبل السلطان الفاشيّ أردوغان ومرتزقته من المحسوبة على المعارضة السورية، وفي الوقت نفسه باتوا محل بازار من قبل بعض العواصم وفي مقدمتهم اليوم موسكو. موسكو التي تقف حتى اللحظة إلى الجانب التركي فإنها في الجهة الخاطئة المعاكسة من بوصلة الحل السوري. وأن في عفرين باتت جميع النقاط المتفق عليها/ المخفيّة ما بين موسكو وأنقرة معلنة وفي مقدمتها ضم عفرين إلى تركيا؛ علاوة على جرابلس واعزاز والراعي والباب وإدلب؛ حتى تبدو حصة الكعكة التركية من سوريا بنصف مساحة لبنان أي5000 كم². وأن نداء المجلس التنفيذي لإقليم عفرين؛ المتعدد الجهات؛ وإلى دمشق أيضاً، قد نجم عنه وفود عسكرية سوريّة بهدف الدفاع عن الحدود السورية في جزئها العفريني. هذه الوفود مرّت بعد أن حدث تفاهم ما بين وحدات حماية الشعب والمرأة في عفرين والقيادة العسكرية في دمشق. فمرّت من معبر الزيارة في عفرين. مرّت تحت راية قوات الآساييش- الأمن الداخلي في عفرين. مرّت تحت راية وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية. مرّت تحت يافطة المجلس التنفيذي في عفرين يرحب بكم. ويعني ما يعنيه هذا المرور بأن مقاومة العصر في عفرين التي امتدت لثلاث وثلاثين يوماً كانت إحدى نتائجه في ذلك خلق لحظة وطنية متعلقة بالأساس في ردع العدوان التركي الذي لن يقبل بأقل من حلب كلها فيما لو تمكّن من عفرين. ولكن مقاومة عفرين أفشلت المخطط العثماني الكبير الذي رأى بأن بوابة العثمانية الجديدة تبدأ بغزوِّ عفرين ولا تنتهي في الرياض وفي القاهرة وفي دبي.

التمايز لا يزال موجوداً بل على أشده ما بين الخط الأول: خط السلطة في دمشق والخط الثالث: خط السلطة في فيدرالية شمال سوريا. الذي حدث بأن الخط الثاني: نقاط مبعثرة من جماعات وشخصيات محسوبة على المعارضة مرتبطة بالإخوان المسلمين؛ هذا الخط بل هذه النقاط المبعثرة باتت في معرض الزوال. وبشرف وبفخر زالت إلى درجة التبخر في تلك الصورة التي لَقَطَتْ أنفاس الائتلاف الأخيرة والتقاطها عند شجرة الزيتون في قسطل جندو. إنها مقاومة عفرين. إنها مقاومة الأمة الديمقراطية. إنها حقيقة العيش المشترك. إنه مشروع الحل الديمقراطي في أن سوريا تبدو كبيرة جداً فقط عندما تكون إدارتها متحقق من قبل الشعوب في سوريا: وهذا فقط يعتبر ترجمة حرفية لكل من يقتنع بأن شعب سوريا واحدٌ واحدْ. وبالعودة إلى لغة الأرقام وطاقة الكوانتوم فإن الخط الثالث أعلى بدرجتين من الخط الأول، وبمئة درجة من الخط الثاني المضمحل. أمّا التقاء الخطين الأول والثالث في الدفاع المشترك عن حدود سوريا والذود عن سيادتها؛ المتبقي منها بشكل كبير في روج آفا وشمال سوريا؛ فإنها مسألة وطنية متعلقة بالمهمة الوطنية، أما الاتفاق بينهما أو إنجازه يعود بدرجة ما معقولة إلى صلح عفرين؛ في حال لو حدث، وحتى الآن لم يحدث. ولكنه لو يحدث فإنه سيكون خطوة مهمة مخترقة في الأزمة السورية؛ أي؛ فيما لو حدث صلح عفرين/ اتفاقه.

لا يُحتاج إلى المزيد من العناء كي ندرك بأن كلٍّ من النظام في دمشق والسلطة في الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا؛ شرّين في نظر أنقرة. وأنقرة التي تُظْهِر بأن دمشق عدوة لها؛ لكنها تظهر وتعلن بأن كل كردي متحرك حيّ هدف لتركيا؛ حتى إنجاز مهمة العثمانيتين القديمة والحديثة بأن كل كردي جيد هو الميّت. كما أن تركيا اليوم حرقت معظم أوراقها ومستعدة أن تحرق يدها أيضاً كي لا يكون للكردي الحيّ أي دور. وكي يتم إفشال المشروع الديمقراطي الذي يكون فيه للكردي في سوريا الدور الريادي فإن أنقرة مستعدة في كل لحظة أن تختار النظام وتتحاور معه. بدون أدنى شك حدث ذلك بشكل مباشر وغير مباشر عدد من المرات؛ على اعتباره أهون الشرّين.

في 26 سبتمبر أيلول العام الماضي- عشية انعقاد مؤتمر حزبنا السابع الاعتيادي- صرّح وزير خارجية السلطة السورية السيد وليد المعلم على استعداد حكومته بالتحاور مع الكرد في منحهم الحكم الذاتي. أعتقد الكثير بأنها رسالة تهنئة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD؛ على مبدأ التوقيت هو الأهم ولا صدفة تحدث؛ علماً بأن مشروع حزبنا أكثر توسعة من الحكم الذاتي وليس في برامجه حل القضية الكردية في سوريا حلّا ديمقراطياً فقط؛ إنما حل الأزمة السورية ورؤية متكاملة نحو تحقيق الشرق الأوسط الديمقراطي، ويبدو أحد أهم مهمات حزبنا في حل قضايا التغيير الديمقراطي في سوريا من حوران إلى قامشلو. لكن تبيّنت بأن الرسالة كانت إلى أنقرة أكثر من أن تكون إلى قامشلو. بخاصة إذا ما أدركنا بأن الجميع دون استثناء بات مدركاً لخاصرة تركيا الضعيفة وابتزازها بهدف الانحناء. تركيا المريضة بمرض لا وجود له إلّا في مخيلة العثمانية ومن يشبهها في ذلك: الكرد فوبيا.

من يفكّر بأن دخول الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوري إلى عفرين بوابة في استعادة مشهد سوريا 2011 فهو واهم كمن يحرث في الغيوم، ومن يرى بأن في صلح عفرين تكون دمشق الأقوى ولأول مرة في تاريخها وفي جغرافيتها الحديثة التي تمض عليها سوى واحد وثمانين سنة فهو على صواب وهو على حق. منعاً للخربطة، منعاً للتردد، وقطعاً في طريق التأتأة: فإن عفرين اليوم مثل أمسها: إقليم من أقاليم الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا. هذه الفيدرالية التي شهدت مرحلتين من الانتخابات، أما المرحلة الثالثة: مرحلة انتخابات مجالس الأقاليم ومجلس الشعوب العام فيبدو أنها ستقام بعقد سوري جديد وبتفهم دمشق أيضاً؛ دون (مزحات) ودون (حبات بنادول). غير ذلك؛ لا محل لها إلّا في الصدفة.

زر الذهاب إلى الأعلى