تقاريرمانشيت

هيومان رايتس ووتش: تركيا ترحل السوريين تعسفياً

تركيا ترحل بشكل تعسفي واجباري سورييين لاجئين لديها وفي هذا الصدد أصدرت منظمة حقوق الانسان هيومن رايتس ووتش تقريراً يوم الاثنين/ 24 اكتوبر/ ونشرته على موقعها الرسمي قالت فيه: إن السلطات التركية اعتقلت واحتجزت ورحّلت بشكل تعسفي مئات الرجال والفتيان السوريين اللاجئين إلى سوريا بين فبراير/شباط ويوليو/تموز 2022.
قال سوريون مرحّلون لـ هيومن رايتس ووتش إن المسؤولين الأتراك اعتقلوهم من منازلهم وأماكن عملهم وفي الشوارع، واحتجزوهم في ظروف سيئة، وضربوا معظمهم وأساءوا إليهم، وأجبروهم على التوقيع على استمارات العودة الطوعية، واقتادوهم إلى نقاط العبور الحدودية مع شمال سوريا، وأجبروهم على العبور تحت تهديد السلاح.
قالت نادية هاردمان، باحثة في حقوق اللاجئين والمهاجرين في هيومن رايتس ووتش: “في انتهاك للقانون الدولي، اعتقلت السلطات التركية مئات اللاجئين السوريين، حتى الأطفال غير المصحوبين بذويهم، وأجبرتهم على العودة إلى شمال سوريا. رغم أن تركيا قدمت حماية مؤقتة لـ 3.6 مليون لاجئ سوري، يبدو الآن أن تركيا تحاول جعل شمال سوريا منطقة للتخلص من اللاجئين”.
تشير الدلائل الأخيرة من تركيا وحكومات أخرى إلى أنها تفكر في تطبيع العلاقات مع الرئيس السوري بشار الأسد. في مايو/أيار 2022، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه يعتزم إعادة توطين مليون لاجئ في شمال سوريا، في مناطق لا تسيطر عليها الحكومة، رغم أن سوريا لا تزال غير آمنة لعودة اللاجئين. العديد من العائدين هم من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، لكن حتى لو تمكنوا من الوصول إليها، فإن الحكومة السورية هي نفسها التي تسببت بأكثر من ستة ملايين لاجئ، وارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد مواطنيها حتى قبل بدء الثورة.
تمثل عمليات الترحيل نقيضا صارخا لسجل تركيا السخي كدولة استضافت عددا من اللاجئين أكثر من أي دولة أخرى في العالم وحوالي أربعة أضعاف ما استضافه “الاتحاد الأوروبي” بأكمله، والذي قدم مقابله الاتحاد الأوروبي مليارات الدولارات لتمويل الدعم الإنساني وإدارة الهجرة.
بين فبراير/شباط وأغسطس/آب، أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات هاتفية أو شخصية داخل تركيا مع 37 رجلا وصبيا سوريا تم تسجيلهم للحماية المؤقتة في تركيا. قابلت هيومن رايتس ووتش أيضا سبعة أقارب للاجئين سوريين ولاجئة رحّلتهم السلطات التركية إلى شمال سوريا خلال هذه الفترة.
أرسلت هيومن رايتس ووتش رسائل تتضمن استفسارات ونتائج إلى “المفوضية الأوروبية” و”المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية” التابعة للمفوضية الأوروبية وإلى وزارة الداخلية التركية. تلقت هيومن رايتس ووتش ردا من برنارد برونيه، من “المديرية العامة لمفاوضات الجوار والتوسع” في الاتحاد الأوروبي. تم تضمين محتوى هذه الرسالة في القسم الخاص بمراكز الترحيل.
رحّل المسؤولون الأتراك 37 شخصا ممن قابلناهم إلى شمال سوريا. قال جميعهم إنهم رُحّلوا مع عشرات أو حتى مئات آخرين. قال الجميع إنهم أُجبِروا على التوقيع على استمارات إما في مراكز الترحيل أو على الحدود مع سوريا. قالوا إن المسؤولين لم يسمحوا لهم بقراءة الاستمارات ولم يوضحوا ما ورد فيها، لكن جميعهم قالوا إنهم فهموا أن الاستمارات تؤكد موافقتهم على العودة الطوعية إلى سوريا. قال البعض إن المسؤولين غطوا بأيديهم جزء الاستمارة المكتوب بالعربية. قال معظمهم إنهم رأوا السلطات في مراكز الترحيل هذه تتعامل مع سوريين آخرين بنفس الطريقة.
قال كثيرون إنهم رأوا مسؤولين أتراك يضربون رجالا آخرين رفضوا التوقيع في البداية، لذا شعروا أن ليس لديهم خيار آخر. قال رجلان احتجزا في مركز ترحيل في أضنة إنهما خُيرا بين التوقيع على استمارة والعودة إلى سوريا أو احتجازهما لمدة عام. اختار كلاهما المغادرة لأنهما لم يستطيعا تحمل فكرة قضاء عام في الاحتجاز وكانا بحاجة إلى إعالة عائلاتهما.
لم يتم ترحيل عشرة أشخاص. أُطلِق سراح البعض وحُذّروا من أنهم إذا لم يعودوا إلى مدينتهم المسجلين فيها، سيُرحَّلون إذا عُثِر عليهم في مكان آخر. تمكّن آخرون من الاتصال بمحامين من خلال تدخل أفراد أسرهم للمساعدة في تأمين الإفراج عنهم. لا يزال العديد منهم في مراكز الترحيل بانتظار حل لقضيتهم، دون أن يعرفوا سبب احتجازهم ويخافون من الترحيل. وصف المفرَج عنهم الحياة في تركيا بأنها خطيرة، قائلين إنهم يبقون في منازلهم ويغلقون الستائر ويحدّون من حركتهم لتجنب السلطات التركية.
نُقِل المبعدون إلى الحدود من مراكز الترحيل، أحيانا في رحلات تصل إلى 21 ساعة، مكبّلي الأيدي طوال الطريق. قالوا إنهم أُجبِروا على عبور نقاط التفتيش الحدودية إما عند أونغو بينار/ باب السلام أو سيلفيغوزو/ باب الهوى، الذين يؤديان إلى مناطق غير خاضعة لسيطرة الحكومة في سوريا. عند نقطة التفتيش، يتذكر رجل من حلب عمره 26 عاما مسؤولا تركيا قال له: “سنطلق النار على أي شخص يحاول العودة”.
في يونيو/حزيران 2022، قالت “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” إن 15,149 لاجئا سوريا عادوا طواعية إلى سوريا حتى الآن هذا العام. تنشر السلطات المحلية التي تسيطر على معبري باب الهوى وباب السلام الأعداد الشهرية للأشخاص الذين يعبرون من خلال نقاط التفتيش التابعة لها من تركيا إلى سوريا. بين فبراير/شباط وأغسطس/آب 2022، أُعيد 11,645 شخصا عبر باب الهوى و8,404 شخصا عبر باب السلام.
تركيا مُلزمة بموجب المعاهدات والقانون الدولي العرفي باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه خطرا حقيقيا بالاضطهاد أو التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة أو تهديد الحياة. على تركيا ألا تُجبر الناس على العودة إلى الأماكن التي يواجهون فيها أضرارا جسيمة. على تركيا حماية الحقوق الأساسية لجميع السوريين، بغض النظر عن مكان تسجيلهم، ويجب ألا تُرحّل اللاجئين الذين يعيشون ويعملون في مدينة غير تلك التي سُجّلت فيها هوياتهم وعناوين الحماية المؤقتة.
في 21 أكتوبر/تشرين الأول، ردّ الدكتور صواش أونلو، رئيس إدارة الهجرة في وزارة الداخلية التركية، برسالة على رسالة هيومن رايتس ووتش بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين الأول بشأن نتائج هذا التقرير. الدكتور أونلو الذي شدّد على أن تركيا تستضيف أكبر عدد من اللاجئين في العالم، رفض النتائج التي توصّلت إليها هيومن رايتس ووتش في مجملها ووصف المزاعم بأنها لا أساس لها. وفي معرض توضيحه للخدمات المنصوص عليها القانون بالنسبة إلى الأشخاص الذين يلتمسون الحماية في تركيا، قال إن بلاده “تقوم بإدارة الهجرة بما يتماشى مع القانون المحلي والدولي”.
قالت هاردمان: “على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه الاعتراف بأن تركيا لا تفي بمعاييره المتعلقة بدولة ثالثة آمنة، وأن يُعلّق تمويله لاحتجاز المهاجرين ومراقبة الحدود إلى أن تتوقف عمليات الترحيل القسري. تصنيف تركيا كـ ’دولة ثالثة آمنة‘ لا يتماشى مع حجم عمليات ترحيل اللاجئين السوريين إلى شمال سوريا. على الدول الأعضاء ألا تتخذ هذا التصنيف وعليها التركيز على إعادة نقل طالبي اللجوء عبر زيادة أعداد إعادة التوطين”.
ركّزت هيومن رايتس ووتش على ترحيل اللاجئين السوريين الذين اعترف بهم نظام الحماية المؤقتة التركي، لكن مع ذلك عمدت السلطات إلى ترحيلهم أو تهديدهم بالترحيل إلى سوريا في 2022. جميع اللاجئين السوريين الـ47 الذين دُرِست حالاتهم كانوا يعيشون ويعملون في مدن في كلّ أنحاء تركيا، وأغلبهم في اسطنبول، قبل أن يُعتَقلوا ويُحتجزوا وفي أغلب الأحيان يُرحَّلوا. استُخدمت أسماء مستعارة لجميع المحتجزين من أجل حمايتهم.
كلّهم، ما عدى اثنان، كانوا يحملون وثائق حماية تركية مؤقتة، تُعرف بـ “الكيمليك”، وتوفّر حماية للاجئين السوريين من الإعادة القسريّة إلى سوريا. العديد منهم قالوا إنهم كانوا يحملون وثيقة حماية مؤقتة ومعها تصريح عمل.

اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون في تركيا
تأوي تركيا أكثر من 3.6 مليون سوري، وهي أكبر دولة مضيفة للاجئين في العالم. في ظلّ القيود الجغرافية التي طبقتها تركيا على انضمامها إلى “اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين”، لا يُمنَح السوريون وغيرهم من القادمين من الدول الواقعة جنوب وشرق الحدود التركية وضع اللاجئ الكامل. يُسجَّل اللاجئون السوريون بموجب نظام “حماية مؤقتة”، تقول السلطات التركية إنه ينطبق تلقائيا على كل السوريين المتقدمين على اللجوء.
يمكّن نظام الحماية المؤقتة التركي اللاجئين السوريين من الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية، لكنه يفرض عليهم عموما العيش في المنطقة التي تم تسجيلهم فيها. يتعيّن على اللاجئين الحصول على تصريح للتنقل بين المقاطعات. في أواخر 2017 وبداية 2018، علّقت اسطنبول وتسعة مقاطعات أخرى على الحدود مع سوريا تسجيل طالبي اللجوء الوافدين حديثا.
في فبراير/شباط 2022، قال نائب وزير الداخلية التركي إسماعيل تشاتاكلي إنّ طلبات الحماية المؤقتة والدولية لن تُقبل في 16 مقاطعة: أنقرة، وأنطاليا، وآيدن، وبورصة، وكناكلي، ودوزجة، وإدرنة، وهاتاي، وإسطنبول، وإزمير، وكيركلاريلي، وكوجالي، وموغلا، وسكاريا، وتكيرداغ، ويالوفا. قال أيضا إن طلبات تصاريح الإقامة من قبل الأجانب لن تُقبل في أيّ حيّ تبلغ فيه نسبة الأجانب 25% أو أكثر من السكان. ذكر أنّ التسجيل أُغلِق بالفعل في 781 حيا في كل أنحاء تركيا لأنّ نسبة الأجانب فيها تجاوزت 25% من السكان.
في يونيو/حزيران، أعلن وزير الداخلية سليمان صويلو أنه انطلاقا من 1 يوليو/تموز سيتم تخفيض النسبة إلى 20% وعدد الأحياء المغلقة أمام تسجيل الأجانب ارتفع إلى 1200، مع إلغاء وضع الحماية المؤقتة للسوريين الذين دخلوا البلاد دون تقديم طلب تصريح. أوضح العديد من الأشخاص الذين قابلناهم أنّهم لم يتمكنوا من إيجاد عمل في المدينة التي سجلوا فيها، فلم يتمكنوا من العيش هناك، لكنهم وجدوا عملا في اسطنبول.

ارتفاع كراهية الأجانب في تركيا
على مدى العامين الماضيين، كان هناك ارتفاع في الهجمات العنصرية والمعادية للأجانب، وخاصة ضدّ السوريين. في 11 أغسطس/آب 2021، هاجمت مجموعات من السكان الأتراك مواقع عمل ومنازل لسوريين في أحد أحياء أنقرة، بعد يوم من قتل شاب سوري لآخر تركي طعنا أثناء عراك.
في الفترة السابقة لانتخابات ربيع 2023، يُلقي سياسيون معارضون خطابات تغذي المشاعر المعادية للاجئين وتقترح إعادة السوريين إلى سوريا التي مزقتها الحرب. ردّت حكومة الرئيس إردوغان الائتلافية بتعهدات بإعادة توطين السوريين في المناطق التي تحتلها تركيا في شمال سوريا.

الاعتقالات
أغلب الذين قابلناهم اعتُقلوا في شوارع اسطنبول، بينما اعتُقل آخرون أثناء مداهمات لأماكن العمل أو المنازل. في بعض الأحيان، قدّم المسؤولون الذين نفذوا الاعتقال أنفسهم على أنهم من الشرطة التركية، وكلهم طلبوا الاطلاع على وثائق هوية اللاجئين.
بموجب نظام الحماية المؤقتة التركي، يتعيّن على اللاجئين السوريين العيش في المقاطعة التي سجلوا فيها أنفسهم كلاجئين أول مرة. 17 من أصل اللاجئين الـ47 كانوا يعيشون ويعملون في المدينة التي سجلوا فيها، بينما كان البقية يعيشون ويعملون في مقاطعات أخرى.
قال خمسة لاجئين إنهم اعتُقلوا بسبب شكاوى أو مزاعم كاذبة من الجيران أو أصحاب العمل، تتراوح بين إحداث الكثير من الضجة والاتهام بالإرهاب. قال كل اللاجئين إنّ هذه الاتهامات لا أساس لها. أربعة منهم تمت تبرئتهم أو إطلاق سراحهم أو ترحيلهم، بينما يظل واحد منهم قيد التحقيق.

الاحتجاز
عند الاعتقال، يُنقَل اللاجئون السوريون إمّا إلى مراكز الشرطة المحلية لفترات قصيرة وإما مباشرة إلى مركز ترحيل، وعادة ما يكون “مركز ترحيل توزلا” في اسطنبول. هناك مراكز ترحيل أخرى بما في ذلك في بنديك، وأضنة، وغازي عنتاب وأورفة. في كل الحالات، صادر المسؤولون التركيون هواتف السوريين ومحفظاتهم وغيرها من الأمتعة الخاصة.
رفضت السلطات طلبات اللاجئين بالاتصال بأقاربهم أو محامييهم. قال رجل طلب الاتصال بمحام إنّ شرطيا قال له في مركز الشرطة: “هل ارتكبتَ أي جريمة؟’ ولما أجبته بالنفي قال ‘إذن لا داعي لأن تتصل بمحام”.
قالوا جميعا إنّ السلطات التركية احتجزتهم في غرف ضيّقة وغير صحيّة في مراكز ترحيل مختلفة. كان عدد الأسرّة محدودا، وقال الأشخاص الذين قابلناهم إنهم اضطروا في كثير من الأحيان إلى تقاسمها. قال اللاجئون إنهم كانوا عادة يُقسّمون حسب الجنسية، وكانوا يُحتجزون عموما مع سوريين آخرين. احتُجِز أيضا صِبية دون 18 عاما مع رجال بالغين.
رغم أنّ بعض مراكز الترحيل كانت ظروفها أفضل من غيرها، تحدّث جميع الذين قابلناهم عن نقص في الطعام والوصول إلى دورات المياه، وغير ذلك من الظروف غير الصحيّة. في توزلا، التي مرّ فيها أغلب الذين قابلناهم، قال سوريون إنهم احتجزوا في الخارج فيما وصفوه بـ”ملاعب لكرة السلّة” لساعات متتالية في انتظار تخصيص مكان لهم، الذي كان عموما داخل حاوية معدنية ضيقة.
تحدث “أحمد” عن ظروف مركز الترحيل بتوزلا، حيث احتُجز مع أطفال غير مصحوبين في حاويات معدنية مكتظة:
كانت هناك ستة أسرّة في زنزانتي. كل سرير يتقاسمه رجلان أو ثلاثة. في زنزانتي أيضا كان هناك صبي عمره 16 عاما وآخر عمره 17. في البداية كنا 15 [في الزنزانة]، لكنهم جلبوا أشخاصا آخرين بعد ذلك. بقينا 12 يوما دون استحمام لأنه لم يكن يوجد مكان لذلك.

الضرب وسوء المعاملة
قال جميع الذين قابلناهم إنّ المسؤولين الأتراك في مراكز الترحيل إما اعتدوا عليهم أو هم شاهدوا مسؤولين يركلون أو يضربون سوريين آخرين بأيديهم أو بهراوات خشبية أو بلاستيكية. تحدث “فهد” (22 عاما)، من حلب، عن الضرب في مركز ترحيل توزلا:
ضُرِبت في توزلا… سقط مني رغيف الخبر بالخطأ فحاولت التقاطه من الأرض، فركلني شرطي حتى سقطت. بدأ يضربني بعصى خشبية. لم أستطع الدفاع عن نفسي. شهدت عمليات ضرب لأشخاص آخرين. أثناء الليل، إذا دخّن أحدنا يُضرَب. كانوا [الحراس] دائما يهينوننا. كان واحد من الرجال يُدخّن… بدأ خمسة حرّاس بضربه بشدّة حتى صارت عينه زرقاء، وضربوه على ظهره بعصى. وكل من حاول التدخل ضُرِب أيضا.
قال “أحمد” (26 عاما)، من حلب، إنّ الشرطة التركية اعتقلته في مكان عمله، وهو محلّ خياطة في اسطنبول، واقتادته إلى مركز ترحيل توزلا، وهناك تعرّض للضرب الشديد في مناسبات عدّة:
ضُرِبتُ في توزلا ثلاث مرات: آخرها كانت الأكثر قسوة بالنسبة لي. كنت أجادلهم حتى يسمحوا لي بالخروج من أبواب السجن، وأن يمنحونا بعض الوقت للاستراحة، فشتموني [الحرّاس] وسبّوني أنا وعائلتي. قلت لهم إنني سأشتكيهم إلى المدير، فضُرِبت على وجهي بعصى خشبية وكسروا [الحراس] لي أسناني.
في النهاية، رُحِّل أحمد إلى شمال سوريا عبر معبر باب السلام الحدودي وهو الآن في مدينة أعزاز، تحت رقابة الحكومة السورية المؤقتة المدعومة من تركيا، وهي جماعة معارضة، لأنه لا يستطيع العبور إلى مدينة حلب الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية بما أنه مطلوب للجيش السوري. قال: “هربت من الحرب [في سوريا] لأنني ضدّ العنف. والآن أعادوني [السلطات التركية] إلى هنا. أريد فقط أن أكون في مكان آمن”.
اعتُقل “حسن” (27 عاما)، سجين سياسي سابق وناج من التعذيب في دمشق، في منزله لما اشتكى جيرانه من الضجيج المنبعث من شقته. أمضى بضعة أشهر متنقلا بين مراكز ترحيل مختلفة، وفي الأخير طُلب منه التوقيع على استمارة عودة طوعيّة. لما رفض ذلك، قال حسن “وضعوني داخل قفص، مثل أقفاص الكلاب. كان حديديا… بقياس 1.5 متر في واحد متر تقريبا. لما وصلت الشمس إلى القفص، صار ساخنا جدا”.
لما اعتُقل أوّل مرّة، تمكّن حسن من الاتصال بزوجته قبل أن يُصادروا هاتفه. وجدت زوجته محاميا ساعد في إطلاق سراحه.

الإجبار على توقيع استمارات “العودة الطوعية”
قال العديد من المرحّلين إن المسؤولين الأتراك – حراس مراكز الترحيل أو المسؤولين الذين وصفوهم بـ “الشرطة” أو “الجندرمة” – استخدموا العنف أو التهديد بالعنف لإجبارهم على توقيع “استمارات عودة طوعيّة”.
جمعت هيومن رايتس ووتش شهادات تؤكد أنّ المرحّلين أجبِروا على توقيع استمارات “العودة الطوعية” في مراكز الترحيل في أضنة، وتوزلا، وغازي عنتاب، وديار بكر، ومكتب هجرة في مرسين.
اعتُقل “مصطفى” (21 عاما)، من إدلب، في الشارع في حيّ إسنايورت في اسطنبول. أمضى عدّة أيام في مركز ترحيل في بنديك، ثم نُقل إلى أضنة، وهناك وُضع في زنزانة صغيرة مع 33 سوريا آخرين لليلة واحدة. في الصباح، قال مصطفى إنّ أحد عناصر الجندرمة جاء ليأخذ المحتجزين كلّ على حدة إلى غرفة أخرى:
لما حان دوري، أخذوني مع شخص آخر إلى غرفة كان فيها أربعة مسؤولين: واحد من الجندرمة، وآخر في لباس مدني، ومدير الهجرة [في مركز ترحيل أضنة]، ومترجم. رأيت ثلاثة أشخاص على الأرض تحت الطاولة كانوا قد أخذوهم قبل ذلك من زنزانتنا، وكانت وجوههم متورمة.
طلب المترجم من الرجل الذي كان معي التوقيع على بعض الأوراق، لكنه عندما رأى أنّ احداها هي استمارة إعادة طوعية رفض التوقيع. بدأ عنصر الجندرمة والرجل في لباس مدني يضربانه بأيديهما وبالهراوات ويركلانه. بعد عشر دقائق تقريبا قيّدوا يديه ونقلوه إلى جوار الأشخاص الذين كانوا على الأرض تحت الطاولة. سألني المترجم ما إذا كنت أرغب في تذوّق ما ذاقه الآخرون، فقلت لا ووقعت على الورقة.
رُحّل مصطفي في وقت لاحق من معبر سيلفيغوزو/باب الهوى، وهو الآن في مدينة الباب شمال محافظة حلب.

سوريا تظل غير آمنة للعودة
أغلب الأشخاص الذين قابلناهم قالوا إنهم ينحدرون من مناطق خاضعة للحكومة السورية، وإنهم لم يستطيعوا العبور من المناطق الخاضعة للمعارضة في الشمال السوري إلى أماكنهم الأصلية خوفا من أن تعتقلهم أجهزة الأمن السورية تعسفا أو تنتهك حقوقهم. المُرحلون إلى الشمال السوري قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم شعروا أنهم “عالقون” هناك، وغير قادرين على الذهاب إلى ديارهم أو العيش وسط عدم الاستقرار والاشتباكات في الشمال السوري.
قال “فراس” (31 عاما)، وهو من ريف دمشق ورُحِّل من تركيا في يوليو/تموز 2022 ويعيش الآن في عفرين شمال سوريا، في مقابلة عبر الهاتف: “لا أستطيع العودة إلى دمشق لأن الوضع خطير جدا. هناك قتال واشتباكات [في عفرين]، فماذا عساي أفعل؟ وإلى أين أذهب؟”
في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وثقت هيومن رايتس ووتش تعرّض اللاجئين السوريين الذي أعيدوا إلى سوريا بين 2017 و2021 من لبنان والأردن إلى انتهاكات حقوقية جسيمة واضطهادا على يد الحكومة السورية والميليشيات التابعة لها، وهو ما يؤكد أنّ سوريا غير آمنة للعودة.
رغم أن الأعمال العدائية ربما تراجعت في السنوات الأخيرة، استمرّت الحكومة السورية في ارتكاب نفس الانتهاكات ضدّ مواطنيها، وهو ما دفعهم إلى الفرار في المقام الأول، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة والتعذيب. في سبتمبر/أيلول، خلُصت “لجنة تقصي الحقائق في سوريا” التابعة لـ”الأمم المتحدة” مرة أخرى إلى أنّ سوريا ليست آمنة للعودة.
إضافة إلى الخوف من الاعتقال والاضطهاد، دمّرت عشر سنوات من النزاع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية في سوريا، مما أدى إلى احتياجات إنسانية هائلة. كان هناك أكثر من 13 مليون سوري يحتاجون إلى مساعدات إنسانية حتى مطلع 2021. يعتمد الكثير من الناس في شمال شرق وشمال غرب سوريا، والعديد منهم مهجّرون داخليا، على تدفق الغذاء والدواء وغير ذلك من المواد المنقذة للحياة عبر الحدود.

القانون الدولي
تركيا طرف في “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسية” (العهد الدولي) و”الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان” (الاتفاقية الأوروبية)، وكلاهما يحظران الاعتقال والاحتجاز التعسفيين والمعاملة اللاإنسانية والمهينة. إذا احتجزت تركيا شخصا لترحيله دون وجود احتمال واقعي لفعل ذلك، بما في ذلك لأنه يمكن أن يتعرّض لخطر في بلد المقصد، أو إذا كان الشخص غير قادر على الاعتراض على ترحيله، يكون الاحتجاز تعسفيا.
التزامات تركيا بموجب الاتفاقية الأوروبية والعهد الدولي، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية اللاجئين لعام 1951 أيضا تفرض عليها احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه خطرا حقيقيا بالتعرض للاضطهاد أو التعذيب أو سوء المعاملة، أو قد تكون فيه حياته مهدّدة.
لا يجوز لتركيا استخدام العنف أو التهديد بالعنف أو الاحتجاز أو إكراه الناس على العودة إلى أماكن يواجهون فيها خطرا. يشمل ذلك طالبي اللجوء السوريين، الذين يحق لهم الحصول على حماية تلقائية بموجب القانون التركي، بما في ذلك الذين مُنعوا من التسجيل في نظام الحماية المؤقتة منذ أواخر 2017. من الضروري أيضا أن ينطبق ذلك على اللاجئين الذين وجدوا عملا خارج المقاطعة التي سجلوا فيها. لا يجب أبدا احتجاز الأطفال لأسباب تتعلق فقط بوضع الهجرة الخاص بهم، أو مع بالغين من غير أقاربهم.

تمويل الاتحاد الأوروبي لإدارة الهجرة في تركيا
تنفيذ الاتفاق المُبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في مارس/آذار 2016 والذي هدف إلى ضبط أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى الاتحاد الأوروبي بإعادتهم إلى تركيا، يستند إلى فرضية مغلوطة مفادها أن تركيا ستكون بلدا ثالثا آمنا لإعادة طالبي اللجوء السوريين إليها. مع ذلك، لم تستوفِ تركيا أبدا معايير الاتحاد الأوروبي لبلد ثالث آمن على النحو المحدد في قانون الاتحاد الأوروبي. تُظهر عمليات الترحيل العنيفة الأخيرة أن أي سوري يُعاد قسرا من الاتحاد الأوروبي إلى تركيا سيواجه خطر الإعادة القسرية إلى سوريا.
في يونيو/حزيران 2021، تبنت الحكومة اليونانية قرارا وزاريا مشتركا ينص على أن تركيا كانت بلدا ثالثا آمنا لطالبي اللجوء من سوريا، وأفغانستان، وباكستان، وبنغلاديش والصومال.
بناء مراكز الترحيل التركية وصيانتها تم بتمويل كبير من الاتحاد الأوروبي. قبل 2016، وبموجب “أداة المساعدة لمرحلة ما قبل الانضمام (“IPA I” و “IPA II”)، قدم الاتحاد الأوروبي أكثر من 89 مليون يورو لبناء أو تجديد أو دعم مراكز الترحيل في تركيا. كان حوالي 54 مليون يورو منها بين 2007 و2008 لبناء سبعة مراكز ترحيل في ست مقاطعات بسعة 3,750 شخصا. في 2014، قُدمت 6.7 مليون أخرى لتجديد وتأهيل 17 مركز ترحيل. في 2015، قدم الاتحاد الأوروبي حوالي 29 مليون يورو لبناء ستة مراكز ترحيل جديدة بسعة 2,400 شخص.
بعد أول 3 مليار يورو قُدمَت لتركيا كجزء من الاتفاق بينها وبين الاتحاد الأوروبي في مارس/ آذار 2016، قدم “مرفق الاتحاد الأوروبي للاجئين في تركيا” 60 مليون يورو إلى المديرية العامة لإدارة الهجرة آنذاك، من أجل “دعم تركيا في إدارة واستقبال واستضافة المهاجرين، لا سيما المهاجرين غير النظاميين في تركيا، والمهاجرين العائدين من أراضي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى تركيا”. استُخدم هذا التمويل لبناء وتجديد مركز ترحيل تشانكيري وتزويد 22 مركز ترحيل آخر بالموظفين.
قدم الاتحاد الأوروبي 22.3 مليون يورو أخرى للمديرية العامة لإدارة الهجرة لتحسين الخدمات والظروف المادية في مراكز الترحيل، بما في ذلك تمويل “النقل الآمن والمنظَّم للمهاجرين واللاجئين غير النظاميين داخل تركيا”، و3.5 مليون يورو لـ “للمساعدة في بناء القدرات التي تهدف إلى تعزيز الوصول إلى الحقوق والخدمات”.
في 21 ديسمبر/كانون الأول 2021، أعلنت المفوضية الأوروبية عن قرار تمويل بقيمة 30 مليون يورو لدعم “بناء قدرات رئاسة إدارة الهجرة في وزارة الداخلية التركية وتحسين المعايير والظروف للمهاجرين في مراكز الاستضافة في تركيا… من أجل تحسين إدارة مراكز الاستقبال والاستضافة بما يتماشى مع معايير حقوق الإنسان والنهج المراعية للاعتبارات الجندرية” ومن أجل ضمان “نقل المهاجرين غير النظاميين بأمان وكرامة”.

التوصيات
إلى الحكومة التركية:
ـ إنهاء عمليات الاعتقال والاحتجاز والترحيل التعسفية للاجئين السوريين إلى شمال سوريا.
ـ ضمان عدم استخدام القوى الأمنية ومسؤولي الهجرة العنف ضد السوريين أو غيرهم من المواطنين الأجانب المحتجزين ومحاسبة أي مسؤول يستخدم العنف.
ـ التحقيق بشكل مستقل في الإجراءات الرامية إلى فرض أو خداع أو تزوير توقيع أو بصمات المهاجرين على استمارات «العودة الطوعية».
ـ السماح لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالوصول بحرية إلى مراكز الترحيل، ومراقبة عملية الحصول على إذن من السوريين بإعادتهم إلى سوريا للتأكد من أنها طوعية، ومراقبة المقابلات وإجراءات الترحيل لضمان عدم استخدام مسؤولي الشرطة أو الهجرة للعنف ضد السوريين أو غيرهم من المواطنين الأجانب.

إلى المفوضية الأوروبية:
ـ الإيضاح علنا أن تركيا ليست بلدا ثالثا آمنا بموجب المعايير المنصوص عليها في المادة 38 من “توجيه الاتحاد الأوروبي المعني بإجراءات اللجوء”.
ـ الضغط على اليونان لإلغاء القرار الوزاري المشترك الذي يعتبر تركيا بلدا ثالثا آمنا، واتخاذ إجراءات قانونية حقها إذا لم تفعل ذلك في إطار زمني معقول.
ـ دعوة اليونان علنا إلى إعادة النظر في جميع قرارات عدم المقبولية المستندة إلى مفهوم البلد الثالث الآمن فيما يتعلق بجميع طالبي اللجوء السوريين.
ـ الطلب من وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي إعداد تقرير جديد عن تركيا كبلد منشأ بشأن تصيفها كبلد ثالث آمن والتأكد من أن هذا يشمل وضع مواطني البلدان الثالثة في تركيا، بما في ذلك الأشخاص الذين يعبرون تركيا أو يلتمسون الحماية الدولية فيها.
ـ ربط أي تمويل من الاتحاد الأوروبي لمراكز الترحيل بالوصول الكامل ودون عوائق لموظفي المراقبة التابعين لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والاتحاد الأوروبي وغيرهم من المراقبين المستقلين، بما في ذلك إمكانية إجراء مقابلات مع المحتجزين لتقييم مدى طوعية العودة.
ـ إعداد تقييم عام لأثر ما يحدث على حقوق الإنسان والضغط على تركيا للسماح بآلية إبلاغ مستقلة من أجل ضمان عدم مساهمة تمويل الاتحاد الأوروبي لإدارة الحدود ولمراكز الترحيل في تركيا في انتهاكات حقوق الإنسان أو إدامتها.
ـ الإبلاغ علنا، بما في ذلك في سياق التقرير السنوي عن تركيا، عن إجراءات السلطات التركية “لترحيل اللاجئين السوريين بشكل غير قانوني، والإجبار أو الإكراه على توقيع استمارات “العودة الطوعية “في مراكز الترحيل، بما في ذلك تلك التي تلقت تمويلا من الاتحاد الأوروبي.
ـ دعوة تركيا علنا إلى وقف عمليات الترحيل والسماح لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمراقبة ما إذا كان السوريون المحتجزون يرغبون في البقاء في تركيا أو العودة طواعية إلى سوريا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق