مانشيتمقالات

من جعلهم مرتزقة تحت الطلب، النيجر حرب أخرى يخوضها سوريون

ياسر خلف ــ

حرب أخرى يخوضها سوريون في بلاد تبعد آلاف الاميال عن وطنهم الذي يئن تحت وطأة الاحتلال والاستغلال والإرهاب الممول، فما الذي يجعل من هذه المجاميع المسلحة المرتبطة بتركيا مرتزقة تحت الطلب يزج بهم في اتون حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟

قد يكون من المفيد بداية معرفة مفهوم الارتزاق لغة واصطلاحا، وخاصة فيما يتعلق بالنزاعات المسلحة حيث يدل على كل عنصر التحق بالقتال الى جانب أحد أطراف النزاع ولا تربط بينهما أي صلة سواء كانت وطنية او قومية او عرقية فهو يتخذ من القتال مهنة لجني المال وقد يكون تجنيده اجباريا او طواعية.

فيعمل المرتزق في النزاعات المسلحة الدولية لصالح أحد أطراف النزاع المتحاربة وهو ليس من رعاياها او يقوم بذلك لدعم طرف محارب بناء على اجندات طرف ثالث وكل ذلك يحدث من اجل الاحتلال او الاستغلال او المصالح، بالإضافة الى ذلك فهي (المرتزقة) تستخدم من اجل اخماد حركات التحرر الوطنية التي تسعى الى تقرير مصيرها، لذلك فهي تعتبر مخالفة حتى لمبادئ القانون الدولي والإنساني القائم على ادانة العنصرية والإرهاب.

لم يعد خافياً على احد وخاصة بعد ان أصبحت صفة الارتزاق مرادفا للمجاميع الارهابية المرتبطة بتركيا ابتداء من داعش والنصرة ومروراً بما يسمى “الجيش الوطني” وفصائلها المسلحة بمختلف تسمياتها، فأردوغان عمل على استغلالهم وخاصة في ما يتعلق بقضايا المهجرين واللاجئين حيث كانت نوايا الدولة التركية واضحة منذ بداية الازمة السورية لاستخدامهم كورقة ابتزاز وانتقام وتهديد لتحقيق اطماعها التوسعية المستندة على التركة العثمانية البائدة ليستغل بذلك مأساة السوريين وتحويلهم الى مرتزقة تحت الطلب وذلك في ابشع صورة عرفتها التاريخ الحديث من تشويه للسوريين وتحويلهم الى ماجورين وقتلة وارهابيين منبوذين ومجردين من القيم الإنسانية.

هذه الصفات التي كانت ولاتزال من خصائص العثمانية المندثرة. فأردوغان لم يأت بجديد إنما يستند الى ميراث دموي من الحقد والكراهية والعنصرية والإرهاب والتطرف الديني القومي واستلهامهم من إرث الإنكشارية العثمانية للقيام بإبادة الشعوب الاصيلة في نطاقه الإقليمي وخارجها كما حدث سابقا للأرمن والسربان والكرد والعرب ولاحقا في كل من ليبيا وأرتساخ.

وما يحدث الآن في كل من عفرين وسري كانيه وكري سبي من احتلال وتهجير وتغيير ديمغرافي لإلحاقها بتركيا تماما مثلما حدث بلواء الاسكندرونة الذي تم احتلاله وضمه الى تركيا.

على ما يبدو أن الامر لا يختلف كثيراً لما يحدث من قيام تركيا بتجنيد وارسال المرتزقة الى القارة السمراء حيث تفيد التقارير الواردة بوصول الدفعة الثالثة من المرتزقة السوريين إلى النيجر. يتم نقلهم إلى مطار غازي عنتاب وارسالهم الى استنبول لنقلهم الى النيجر حيث بدأت المجاميع المرتزقة في غرب الفرات بإغراء العناصر وبعض المتطوعين في العمل مع الجيش التركي حيث تشارك هذه العناصر في عمليات الحراسة والمعارك لتحقيق المصالح التركية، وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان: هناك أنباء عن مقتل نحو 50 مرتزقا سورياً في النيجر، وأن جثث أربعة منهم أرسلت إلى بلادهم.

من الواضح أن النيجر ستواجه مجموعة من التحديات الأمنية والجيوسياسية على المدى المنظور والبعيد، فزمن الحرب والإرهاب المنظم التي تمارسها الدول كتركيا وروسيا وارسالها للمرتزقة والمأجورين من سوريا باتجاه النيجر هو زمن تختفي فيه جميع المبادئ والقيم والمعاني الانسانية في ساحات الفوضى الممنهجة ولا تُسحق فيها سوى الشعوب المغلوبة على أمرها، ولا تستفيد منها سوى الانظمة الديكتاتورية التي تلبس القناع فوق القناع لإخفاء وجه الاجرام الحقيقي التي تمارسها تلك الدول.

وعلى ما يبدو أن تركيا قد وجدت بوابة أخرى لتهديد السلم والامن العالمي واللعب على متناقضات السياسة الدولية، فمع انتشار مسلحي تنظيم “داعش” الإرهابي، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي في مناطق متفرقة من النيجر إضافة الى مجاميع الاسناد الإرهابية التي ترسلها حكومة اردوغان الى هناك لخلق مزيد من الفوضى والاستثمار فيها كما حدث في دول أخرى ك ليبيا وقرباخ وغيرها من الدول التي تدخلت فيها تركيا لتحولها الى امارات وولايات داعشية إرهابية تمتثل لأوامر مرشدهم الأعلى اردوغان وأيدولوجيات الاخوان المسلمين التي استنسخت منها كافة جماعات الإرهاب المعروفة كالقاعدة وداعش والنصرة ومثيلاتها هي في حقيقة الامر ناقوس خطر كبير يهدد القارة السمراء بأجمعها والتي تشهد انقلابات واضطرابات ونزاعات عسكرية وسياسية في عدد من بلدانها  والتي تعتبر ميداناً خصباً لجماعات الإرهاب المنظم الممول والمرتبط بأجندات دولية كتركيا والتي بدأت في استغلالها لخدمة مصالحها ومخططاتها الاجرامية.

يمكن القول في نهاية المطاف إن الدولة التركية عبر سلطانها أردوغان الذي يستغل الإسلام والعصبية القومية لإعادة إحياء امجاد العثمانية البائدة على حساب دماء السوريين المغرر بهم وتحويلهم لجيش إنكشاري من المرتزقة واللقطاء وقطاع الطرق مستغلاً عوزهم وحاجتهم لخدمة مآربه التوسعية وتحقيق مصالحه الشخصية بعيداً عن سلطة الدولة أو موازية لها، وفي نهاية المطاف سيتم التخلص منهم جميعاً بمجرد تحقيق مرامي واهداف المشغل والمستثمر وانتفاء المصلحة منهم.

والسياسة التركية حافلة بهكذا تراجيديا عبر التخلص من اعدائها واصدقائها على حد سواء، كيف لا وهي تستند الى إرث بغيض يقتل الابن أباه، والأخ أخاه، حتى وإن كان رضيعاً من اجل السلطة واستلام الخلافة، فيندر في التاريخ أن سلطانا عثمانياً مات طبيعياً إلا عبر قتل واغتيال على أيدي افراد العائلة الحاكمة نفسها.

وكما قال أحد الشعراء المعاصرين للاحتلال العثماني “نجيب حداد” مختصراً مذابح العثمانيين بحق العرب بالقول:

لعبت أكفّ التركِ فيكِ وغادروا   في كل قطر منكِ نهراً من دم.

فهل يتعظ المرتزقة السوريون ومن معهم من المغفلين ويعودون إلى رشدهم قبل فوات الأوان؟

زر الذهاب إلى الأعلى