مانشيتمقالات

معاناة المرأة في المجتمع في الزمن القديم والحاضر

إيمان العليان ــ

عانت المرأة في الماضي ــ تحت وزر العادات والتقاليد التي تلتف حولها وتعصر رقبتها ــ من الظلم انطلاقاً من دونيتها ونقصها، حيث تم تفسير النصوص الدينية بشكل يضيق على المرأة رغم أن الدين الإسلامي دِين عدل يدعو إلى معاملة المرأة بالحُسنى.

لكن مع هذا، استخدم المجتمع الذكوري الدين والعادات لمحاربة المرأة والإنقاص منها بجعلها أحد متممات الرجل وليس كائناً بشرياً ذو كرامة وحقوق، إضافة إلى اختزال جرائم الشرف فيها وحدها وإقصاء الرجل الذي يكون طرفاً في الجريمة أو الجاني نفسه.

لتجد المرأة نفسها كمسودة وجب إخفاءها خلف جدران دون علم ولا قرار، تماماً كقطعة أثاث تزين المنزل، حتى تنتقل من النظام الأبوي إلى النظام الزوجي وتستمر المعاناة.

أهمية المرأة في المجتمع

تعدُّ المرأة الركيزة الأساسية لبناء المجتمع والأسرة، فمن خلالها توجد تلك التنمية الفاعلة في المجتمعات، فالمرأة استطاعت أن تسطر يوماً بعد يوم ملامح ذاك الأفق الجميل للنّجاح والتّميز والإبداع، وما هذا إلّا من خلال تلك التضحيات التي تقوم بها بدءاً من محيطها المتمثل بأسرتها ومروراً بذاك المجتمع الذي تحكّمها من خلال بعض التّحديات التي زرعها أمامها كسدودٍ تعيق نجاحها وتقدّمها.

تحديات:

إنّ أول التّحدِّيات التي تواجه المرأة وتنشب أظافرها في مستقبل المرأة وعملها هي تلك العادات والتّقاليد البالية الموروثة عن الآباء والأجداد، إلى وقتنا الحاضر هناك الكثير من البلدان التي كبّلت أحلام المرأة بقيد تلك العادات، ووقفت عائقًا أمام تحقيق ما تريده.

أصحاب هذه الذهنية ينظرون للمرأة على أنّها ذاك النّخب الثّاني للبشريّة، فلا يحق لها الحياة ولا حتّى الحلم إلّا بعد أن تستشير ذاك القيِّمِ عليها والذي مُنح صفة الذّكوريّة، وعنده تفوقًا على المرأة التي لم تحمل ذنبًا في حياتها إلّا أنّها خُلقت أنثى، ليس هذا فحسب، بل هناك من حلّت عليها أنوثتها باللعنات؛ فكان كلّ من يريد أن يوظف تلك المرأة نظر إليها تلك النّظرة التي لا ترقى لمستوى البشريّة المتحضرة، وإنّما نظر لها بتلك النّظرة الحيوانيّة والمليئة بالخبث.

وهناك تحديات أخرى تقف عائقًا في وجه المرأة، هو الجهل وتفشي الأميّة، على الرَّغم من أنّ هذا التّحدي سيقف في وجه الذّكر والأنثى على حد سواء، إلّا أنّ الأسرة إذا خُيرت بين تعليم الذكر أو الأنثى فحتمًا ستختار تعليم الذكر على اعتباره صاحب مسؤولية ويتحمل أعباء الأسرة فيما بعد،

وبهذا ستكون نسبة معاناة المرأة من الجهل والأميّة أكثر بكثير من معاناة الرجل، وبالتالي فإن حق المرأة في التعليم يذهب ضحية لأفكار بعيدة عن المنطق والعدالة الاجتماعية،

وفي حال استطاعت المرأة تخطي كلّ تلك العقبات والتّحديات واستطاعت الخروج إلى سوق العمل، فسوف تواجه نوعٍ آخر من التّحديات ألا وهو أكل حقّها وأجرها، فإن ما تتقاضاه المرأة لقاء تعبها هو أقلّ بكثير مما يتقاضاه الرّجل، على الرُّغم من أنهما يقدّمان نفس المجهود والتّعب.

ومن هنا يجب ألّا ننسى أنّ كل هذه الأمور والتّحديات التي تواجهها المرأة إن لم تتخطاها ستضعها في الصّفوف الأولى بل في المقدمة من ضمن الأشخاص الذين سيعانون من

العنف سواء أكان العنف الأسري أو العنف الاجتماعي، فالمرأة إذًا هي اللّبِنة الأولى لبناء المجتمع وهي عاملٌ أساسيٌ فيه، ولن يستطيع أحد تخيّل شكل الحياة من دون المرأة، فالحياة آنذاك لن تكون سوى كومة من المشكلات التي لا تنتهي، ولهذا يجب أن يقف الجميع في وجه هذه التّحديات والمعوقات التي يسجن خلفها عطاء المرأة.

الانجازات التي وصلت لها المرأة:

للمرأة دورها الفعال الذي لا يُنكر في نهضة المجتمع وتطوّره.

فهي لا تقل شيئاً عن الرجل، لا أهمية ولا قيمةً، ولها وجودها، ومكانتها أساس في المجتمع، فالمرأة نصف المجتمع شاء من شاء وأبى من أبى رغم كل التحديات والاعتراضات؛ فهي الأم والزّوجة والأخت والصديقة، وإلى جانب ذلك هي الطّبيبة والمهندسة والمعلمة والمربيّة.

ومن هنا يبرز دورها الفعال في إصلاح المجتمع وبنائه، وذلك من خلال اتّخاذ دورها في كل المهن التي توافق طبيعة جسمها وبما حدّده لها الشّرع من دون الكل.

وليس هذا فحسب، بل حازت المرأة على الدور الأهم والأساسي في بناء الأجيال والنهوض بالشّباب من خلال العمل على تربية الأبناء والمساهمة في تنشئة جيل المستقبل.

المرأة هي الحجر الأساس في الأسرة والرّكن العتيد الذي يلجأ إليه الأبناء لحل مشكلاتهم؛ إذ إنّها تتحمل إدارة البيت ومسؤوليّة اقتصاده ونظامه، فالمرأة عندما تتمثّل دور الأم تكون ذاك المصدر والنّبع الذي لا ينضب للحنان والعطف، فهي الجوهرة التي تضيء بالأمان لكل من حولها، وما الاعتماد الحقيقي للأسرة إلا على الأم التي ترسم لنجاح أسرتها، والتي لو غابت يومًا لفُقدت الرعاية والحنان ونشأ جيل قد افتقد للعطف والرحمة.

كما لا يمكن إخفاء نور الشّمس بإصبع، كذلك الأمر لا يمكن إخفاء منزلة المرأة في الأسرة والمجتمع، ولا يمكن أن يُنكر أن مشاركة المرأة في الحياة العامة له دورٌ أساسي بصقل تجربتها من أجل بناء جيلٍ قويّ، ولهذا يجب تقديرها والحفاظ عليها، فهي التي تُخرِّجُ الأجيال من آباء وأمهات، فهي أساس التربية ونواة بناء المجتمع، ولهذا يُقال إنّ المرأة هي الحياة.

نظرة الدين الاسلامي للمرأة:

حرص الإسلام على احترام المرأة والتّأكيد على دورها ومكانتها في الحياة، فقد أوصى الرجال بمعاملة المرأة معاملة حسنة، وإعطائها كامل حقوقها، فقد شرع الله تعالى لها حقٌ في الميراث بعد أن كانت في الجاهليّة تُورث كالأمتعة، قال تعالى في محكم تنزيله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا}،[٤] ومن الحقوق التي أقرّها الإسلام للمرأة هي طلب العلم، فقد حثّ المسلمين رجالاً ونساءً أن يصلوا الي أعلى المستويات العلمية، فكانت المرأة المسلمة فقيهة معلمةً في أمور دينها، فلم يحرم عمل المرأة بحدود الشّرع والدّين فها هي السيدة عائشة – رضي الله عنها- من خيرة فقهاء الصّحابة – رضوان الله عليهم.

علينا ألّا نتناسى أنّ الله قد كرّم المرأة، وذلك بتخصيص سورة كاملة لها في القرآن الكريم، وأسماها باسم سورة النساء، لتوضح للمرأة واجباتها وحقوقها في الشّريعة الإسلاميّة، وبهذا نعلم أنّ الإسلام قد كرَّم المرأة وجعلها شقيقة للرجل ليتكِئ عليها وهي تستند إليه، فما كان الرجال قوّامين على النساء إلّا قوامةً من أجل أن يساعدها في شؤون الحياة ويقوم على خدمتها وتكريمها، لا قوامة مهانةٍ وتسلط كما يفهما البعض، فالمرأة أعزها الله بعد أن أذلتها العادات البالية في الجاهليّة.

إنّ المرأة هي الصورة الحقيقية المعبِّرة لكل التّضحيات التي تقدم للمجتمع، فهي تؤدي تلك الرسالة المقدسة المنوطة بها متمثلةً كل معاني الصبر والألم والأمل، متخطيةً كلّ التحديات من أجل تأدية مهامها، ومن أجل ذلك جاء الإسلام ليعلن أنّ المرأة هي صنو الرّجل في التّكريم والإجلال والتّقدير فقد قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}،ولقد حضّ النّبي – عليه الصّلاة والسّلام – على معاملة المرأة بالخير والاحترام فقال: “استَوصوا بالنِّساءِ خيرًا فإنَّهنَّ عندَكُم عَوانٍ”.

زر الذهاب إلى الأعلى