مقالات

لعنة الطفولة المسلوبة تلاحق أردوغان

دوست ميرخان

>>لا يوجد هُنا شيء سوى الحجر وخيمةٌ صغيرةٌ تأوينا أنا وأبي وأمي… اللعب تحت ظل شجرة منزلنا كان جميلاً<< بهذه العبارات أرادت سناء أن تروي لنا قصة عائلتها المهجَّرة من مدينة سري كانيه التي احتلها الأتراك والمجموعات المرتزقة السورية قبل عام.

الساعة الحادية عشر مساءً يوم الأربعاء 2019، عشرات القذائف بدأت تتساقط، الهلع أصاب الجميع؛ كنت خائفة جداً، أبي اعتقد إن الأمر مجرد هجوم قامت به المجموعات الإرهابية كالمرة السابقة، كنتُ أتمعن في تعابير وجهه، لم يبدِ أيَّ خوف، شعرت بالراحة قليلاً، لكن الوقت لم يمضِ طويلاً  حتى بدأتِ الأصواتُ والصراخ يتعالى، هرع أبي إلى خارج المنزل، عاد لاهثاً، دموع أمي بدأت تنهمر… قرار خروجنا من المنزل كان صعباً، لم تكن أمي تتوقع يوماً أن تخرج من منزلها؛ خاصة وأن أبي قد حقق لها أمنيتها عندما قام بتركيب رفوفٍ للمطبخ وبلونٍ جوزي الذي كانت تحبه أمي.

خرجنا مسرعين إلى قرية زركان… الطريق كان مُوحشاً مكتظاً بالسيارات والفارين من الموت، بدأتُ ارتجف، ورعشة البرد تتصاعد من أسفل قدمي إلى بقية جسدي، أحسست بأن الموت اقترب من لساني أيضاً.

أضواء بلدة تل تمر تلوح أمام عيني بغباشة، افترشنا الطريق هناك لا أعرف من أغمض عيناي.

صباح اليوم التالي اتصل بأبي شخصٌ ما، وقال له كلاماً أدمع عينه المحمرَّتين… كان يبكي دماً… بقيت تلك اللحظة في ذاكرتي، بعد عدة أشهر وفي ليلة باردة همس لأمي بأن الإرهابيين قاموا بنهب المنزل وأحرقوه، حينها كنتُ استرقُ السمع تحت الخيمة التي أصبحت كالجحيم الذي نعيش فيه.

هكذا مضت الليالي وأنا أتنصتُ خلسة على أمي وأبي… أحياناً كانا يبكيان وأخرى كانا يبتسمان، كنتُ أسمعُ صوت حنجرة أمي وهي تبتلع ريق قهرها.

صباح يوم الاثنين 12اكتوبر 2020 الساعة الثامنة تستعد سناء للذهاب إلى المدرسة، هناك ما يقارب ألفان ومئتا (2200) تلميذ يداومون في مدرسة المخيم التي انشأتها الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا… إن هذه الإدارة تتحمل أعباء كبيرة؛ فهناك أكثر من أربعمائة ألف نازح ومهجر تُقدِّم لهم الإدارة سبل العيش من مأكل ومشرب ومأوى وطبابة؛ ناهيك عن المخيمات التي تأوي المهجرين العراقيين، وأخرى لعائلات تنظيم داعش الإرهابي.

مدرسة مخيم واشو كاني تبدو جميلة… صفوف منتظمة، وكادر تدريسي، وبعض الرسومات التي تزين جدران الصفوف مسبقة الصنع نموذج الصناعة الحديثة للبناء أدخلت إلى شمال شرق سوريا وعموم المناطق السورية في السنوات الأخيرة من الحرب الدائرة في البلاد.

بالطبع ويلات الحروب جعلت الأشياء الجميلة  تبدو كورود ذابلة، الأطفال الأبرياء لا دخل لهم؛ لكن النظام التركي اخترق كل المواثيق والأعراف الدولية باحتلاله عفرين وسري كانيه وكري سبي.

نتيجة لهذا العدد الكبير من الطلاب ورغم وجود مَدرَسَتين إلا أنهما لا تستوعبان هذا العدد الكبير، قُسِّم الدوام في المدرسة إلى فترتين، تُدرس المواد التعليمية الأساسية فقط، كما اخبرتنا أحد أعضاء الكادر الإداري للمدرسة.

سناء تلميذة مجتهدة تجيد التحدث باللغتين الكردية والعربية، تحلم بأن تكون طبيبة في المستقبل، لكن الأزمة في سوريا قضت على أحلام وأمنيات كثيرة، في ذاكرتها لا تزال آمال العودة إلى منزلها ومدرستها هناك حيث كانت حياة الطفولة كنسيم تداعب خدودها الورديتين كما في الصورة المعلقة على زاوية الخيمة تعيش بسلام مبتسمة لغدٍ مشرق، لكن؛ ويلات اللجوء والعيش في خيمة لا تتجاوز مساحتها اثنا عشر متراً مربعاً جعلت من ملامح وجهها تبدو كحجرة من أحجار المخيم التي تعرضت لشتى أنواع الحت، حتى بدت أنها تكبر عمرها بعشرات السنين.

تتسبب النزاعات المسلحة في سوريا بوضع مأساوي لمئات الألاف من الأطفال،

 حكم احتلال الدولة التركية  لمدينة سري كانيه، وكري سبي، وعفرين بانقطاع الآلاف من الأطفال عن مدارسهم… ممارسات الاحتلال والمجموعات السورية المرتزقة أودت بنزوح وتهجير ما لا يقل عن سبعمئة ألف نسمة من تلك المناطق هرباً من الإرهاب الممارس من قبل القوات المحتلة بشقيها المرتزق والنظامي.

إن أخطر آثار الحروب على الأطفال ليس ما يظهر أثناء الحرب، بل ما يتجلى لاحقًا في جيل كامل ممن نجوا من الحرب وقد حملوا معهم مشكلات لا حصر لها تتوقف خطورتها في كيفية تجاوز المشاهد المروعة، فالآثار السلبية لتلك المشاهد لا تنتهي بنهاية مرحلة الطفولة، بل تشكل منظاراً يرى الطفل العالم من خلاله.

 اليوم، أطفال سري كانيه وكري سبي وعفرين يحملون في داخلهم ضغينة وكرهاً شديداً لدولة جارة لم تعرف يوماً قيمة المجاورة لا في أدبياتها الدينية والسياسية والفكرية ولا حتى في قوانينها  ودساتيرها، دولة لا يعرف قيادتها سوى الحرب وكره الآخرين، فهل سينسى هؤلاء الأطفال يوماً ما سبب مأساتهم؟ أم إن برامج اليونيسيف وغيرها من المنظمات الإنسانية والمعنية بالطفولة ستكون قادرة على علاج مشكلات الطفولة الناجمة عن حرب الدولة التركية العضو في منظمة الأمم المتحدة ضد سكان شمال سوريا ؟.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق