مقالات

كيماوي أردوغان تكرارٌ لمأساة حلبجة وصمت المجتمع الدولي

ياسر خلف            

إن الخوض في معاناة الشعب الكردي من الدكتاتوريات التي تحتل كردستان لأمرٌ يُعتبر في غاية المأساة والعذاب وخصوصاً في كنف ذاكرة متخمة بالألم والشقاء والاغتراب ضمن وطنهم. شعبٌ مكرهٌ على الحياة ضمن جغرافيِّةٍ شهدت عشرات الغزوات والاحتلالات بشكلٍ تراجيدي لم يشهد الكون له مثيلاً، وتاريخ متجدد من الدم المسفوك على يد مستبدين يَرَوْنَ ذواتهم خلفاء وأوصياء على البشر والحجر وهُم فوق المساءلة والمحاسبة باعتبارهم ظل الله وورثة عرشه أو أداة بيد الآلهة المقنعين النفعيين.

هكذا يبدو المشهد في عموم كردستان؛ فرغم كل الأدلة المادية الملموسة والتقارير الميدانية المؤكِّدة لفظاعة الممارسات التي ترتكبها هذه الأنظمة المستبدة؛ نجد في المقابل صمتاً مُطْبقاً على المنظمات الحقوقية والإنسانية، ورغم المعرفة التامة لهذه المنظمات بممارسات النظم الدكتاتورية التي تستخدم كافة الأساليب القذرة لإبادة الشعوب؛ لكنها تراعي مشاعر الجَلاَّد على حساب الضحية ومعاناتها وكأن هذه الجهات تنتظر من الشعوب المقاومة أن تقبل الاستسلام والفناء وتضع رقابها تحت رحمة سِياط الذل والعبودية.

منذ قرون والشعب الكردي يتعرض لأبشع صنوف الإبادة الثقافية والحضارية وصولاً للإبادة الوجودية حينما قُسِّمت كردستان بموجب اتفاقية “قصر شيرين” بين العثمانيين والصفويين كذلك اتفاقية “سايكس بيكو ولوزان” ولم تتوقف الممارسات القمعية بحق الشعب الكردي وخاصة استخدام الأسلحة المُحرَّمة دولياً للقضاء على الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره، فاستخدام الأسلحة الكيميائية ليس وليدة اللحظة؛ فقد استخدَمَ قوات الاحتلال التركي هذه الأسلحة 323 مرة بعد هزيمتها النكراء أمام مقاومة الكريلا خلال المعارك التي استمرت ستة أشهر في مناطق آفاشين ومتين وزاب وحدها، ويتم استخدام هذا الكم الهائل من الأسلحة المحرمة دولياً أمام أنظار هيئات الأمم المتحدة وخاصة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تنص اتفاقياتها الدولية على “إزالة كامل أسلحة الدمار الشامل وذلك من خلال حظر استحداث وإنتاج وحيازة وتخزين الأسلحة الكيميائية والاحتفاظ بها أو نقلها أو استعمالها من جانب الدول الأطراف. كما يجب على الدول الأطراف أن تتخذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحظر فيما يتعلق بالأشخاص (الطبيعيين أو الاعتباريين) في إطار ولايتها القضائية.”

وقد اتفقت كافة الدول على نزع السلاح الكيميائي وذلك بتدمير كل مخزونات الأسلحة الكيميائية ومرافق إنتاجها وتدمير كل ما قد تكون من مخلَّفاتها على أراضي دول وأطراف أخرى، كما اتفقت الدول على إنشاء نظام تحقق خاص بالمواد الكيميائية السامة معيَّنة وبسلائفها (المواد الكيميائية المُدرَجة في الجدول 1 والجدول 2 والجدول 3 في مرفق الاتفاقية المتعلق بالمواد الكيميائية) بغية ضمان عدم استخدام هذه المواد الكيميائية المحظورة.

إن ما يمكن تأكيده هنا هو عندما تلجأ الدكتاتوريات والمستبدين إلى استخدام السلاح الكيمياوي المحظور دولياً ضد شعوبهم؛ فهذا يعني أنهم وصلوا إلى مرحلة العجز واليأس لكسر إرادة هذه الشعوب بكل الأساليب بما فيها العسكرية؛ أي أن استخدام الكيمياوي كسلاح لفرض الذل على شعب مُعيَّن؛ يُعتبر في الوقت نفسه آخر ما تبقى لدى المستبدين من أوراق يستعملونها، وما بعد ذلك يكون انهيار المنظومة المستبدة ونصر الشعوب المقاومة تماماً مثلما حدث لنظام دكتاتور العراق صدام حسين الذي استخدم الأسلحة الكيمياوية في “حلبجة” وراح ضحيتها أكثر من 5000 آلاف إنسان كلهم من المدنيين، وهنا تجدر الإشارة إلى أن استخدام نظام اردوغان للكيماوي وأساليب الإبادة الجماعية ليست وليدة اللحظة وإنما هو ميراث بغيض يمتد جزوره إلى السلطنة العثمانية والحكومات الأتاتوركية المتعاقبة، فمجازر “السيفو والإبادة الأرمنية التي راح ضحيتها قرابة الثلاثة ملاين إنسان وكذلك استخدام الأسلحة الكيمياوية بين عامي 1937-1938 في مدينة ديرسم حيث استشهد حوالي 70 ألف من الشعب الكردي الأعزل، واستخدام حكومات الاحتلال التركي للأسلحة المحظورة دولياً ضد قوات الدفاع الشعبي “الكريلا” منذ العام 1983 وحتى وقتنا الراهن ما هو إلا استمرار لهذا الميراث الاستبدادي البغيض.

إن ما يمكن التنويه إليه هو أن هذه الممارسات اللاإنسانية والإبادة الجماعية التي تمارسها دولة الاحتلال التركي تحدث أمام أنظار العالم المتحضر ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين، والأنكى من ذلك أن تركيا عضو في حلف الناتو ومرشحة لدخول الاتحاد الأوربي والتي لم تحقق نسبة 1% من معايير اتفاقية “كوبن هاغن” التي تؤهلها لذلك، لذلك فهُم بصمتهم يُعتبرون  شركاء  لممارسات  الدكتاتورية، تماماً كما قامت بعض من هذه الدول بمساندة دكتاتور العراق وتزويده بالأسلحة الكيميائية إبَّان مجزرتي “حلبجة والأنفال” اللتين لا يزال الشعب الكردي يعاني من آثارهما وتبعاتهما.

ما يقوم به “أردوغان الكيماوي” ومنظومة حكمه في الشمال السوري بحق شعوب المنطقة والانتهاكات اليومية الموثقة بالتقارير الميدانية وعمليات التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي والتهجير القسري في “عفرين وسري كانية وكري سبي” والقصف والتهديدات المستمرة لمناطق شمال وشرق سوريا وحرب الإبادة المستمرة على الشعب الكردي في جنوب وشمال كردستان مستخدماً فيها الأسلحة المحرمة دولياً لهو دليلٌ صارخٌ لتخاذل المجتمع الدولي، وإزعانٌ واضح لاستبداد الدولة التركية بحق شعوب المنطقة، بينما كان يتطلب هذا الأمر صحوة دولية ووقفة عالمية للحد من إرهاب اردوغان ونظام حكمه الذي بات يشكل الملاذ والحاضنة الآمنة للإرهاب الدولي في شتى أرجاء المعمورة بدءاً  من سوريا وصولاً إلى ليبيا والعراق ودول الغرب حيث ينشر الإرهاب ومجاميعه الإرهابية أينما حل وتوجه مستخدماً كافة صنوف الأسلحة المحظورة وأساليب حروب الإبادة القذرة بحق كل مَن يُعارضه ولا يتوافق مع سياساته وانتهاكاته.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق