مقالات

حب الوطن والدفاع عنه ليس مجرد شعار

أمين عليكو

أشار الكثير من علماء النفس إلى وجود ثلاث غرائز أساسية لدى الإنسان أو بمعنى آخر للحفاظ على وجوده مثل (الطعام, التكاثر, الحماية) بالإضافة إلى العديد من الغرائز التي يتمتع بها الإنسان الطبيعي لا نريد أن نذكرها, كوننا نريد التطرق لغريزة  الحماية أو بمصطلح آخر الدفاع عن النفس داخل المجتمع، وماذا تعني لنا الحماية أو الدفاع عن حياتنا في ظل التغيرات اليومية في عالم باتت تسوده الشرور والحروب. الإنسان هو كائن حي ويمتلك العقل وهو قادر على التفكير والنطق والقدرة على إمكانية التطور الذهني منذ ظهوره على الأرض, ومع تطور البشرية استطاع الإنسان أن يوظف قدراته العقلية والجسدية لصناعة الأدوات اللازمة لحماية نفسه من المخاطر التي تصادفه أو يتعرض لها في حياته اليومية منذ آلاف السنين.

لن أدخل كثيراً في التفاصيل العلمية والفلسفية والدينية لكي نبقى في إطار موضوع الحماية؛ إننا نعيش في الشرق الأوسط في جغرافيا مليئة بالأحداث تتغير في كل لحظة، أصبح فيها قتل الانسان والحيوان والطبيعة أمر عادي وكذلك إبادة الآخرين  شيء يُتداول باستمرار، وما يترتب على ذلك من غياب الاعتراف بأي حق من حقوق الشعوب فقط من أجل الحفاظ على السلطة, فباتت  آلة الحرب والخوف هي المسيطرة على العالم في ظل هذا الوضع الرهيب الذي صنعته قوى الرأسمالية.

وبالرغم من بروز العنف والإرهاب، إلا أن هناك دائماً من يدافع عن حقه أمام تلك القوة المهيمنة ويحمي حقوقه ـــ ثقافته، لغته، تاريخه ــ التي هي المزيج المكون لحضارته من كل استهداف يحدق بها.

ليس عبر السلاح فقط يستطيع المرء الدفاع بل عبر القلم والعقل والفكر والحكمة أيضاً. ثورة المهاتما غاندي أكبر مثال على أنه استطاع تحرير الهند من هيمنة إنكلترا التي حكمت الهند تحت احتلال استمر مدة قَرْنَين  بقوة العلم والسياسة التي كان يتمتع بها ذلك الشخص, لذلك ليس كل من يحمل السلاح يستطيع أن يمارس الحماية، كما حال الثورة السورية التي خرجت عن مسارها وتحولت من حالة الحماية إلى حالة التشتت والتشرذم والإرهاب والعنف, أمثلة كثيرة تتعدد ويستمر مفهوم الحماية أعمق بكثير مما يُتداول في وقتنا الحالي, لذلك لابد لنا أن نسأل انفسنا هل يوجد في مجتمعنا غريزة الحماية أو الدفاع عن أي شيء يمس الوطن بدءاً من أي فرد داخل المجتمع, وبدءاً من الأسرة مروراً بالحي إلى القرية وصولاً للمدينة؟، هل نمتلك تلك القدرة التي نستطيع بها الدفاع عن أنفسنا؟ نتحقق من كل ما حولنا من أشخاص غرباء أو تحركات مشبوهة كوننا أصبحنا خبراء في التدابير الأمنية, بواقع الحال الذي يدور من حولنا من مشاكل وقضايا وإجرام وقتل جعلت منا متيقظين نوعاً ما, لكن ما يحدث في الوقت الحالي عكس ما نتطرق إليه, حيث بتنا نتشاطر عبر الصفحات والمواقع وفي مشاركتنا لبعض المقابلات الصحفية والبرامج التلفزيونية الحوارية منها والفزلكية على التفاصح والظهور على شكل مثقف ومحلل سياسي مخضرم ونصرح ونتحاور ونحلل ونقيم ونتباهى أمام عدسات الكاميرا وننتقد المدافعين والحُماة, غافلين عن مدى التباين بعد المقارنة بيننا وبين هؤلاء الحُماة الساهرين على حماية أسوار مدننا, دون أن نتعب تفكيرنا الغافل عن فهم الحقيقة ولو قليلاً فلو كنا في مواقفهم أو معهم هل كنا سنتحمل ما يتحملون؟ الإجابة طبعاً لا لن نتحمل لأننا معتادين على الرفاهية وإعداد النرجيلة وشرب المشروبات الساخنة والباردة وتناول جميع الأنواع الفاخرة من المكسرات ونحن جالسين أمام شاشة حواسيبنا وموبايلاتنا أو عبر البث غير الأخلاقي المباشر، ونحن نندد ونستنكر ونقاوم من خلال منشوراتنا على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن المصيبة كما يُقال بأننا نستنكر ونندد ضد مَنْ؟ ولصالح مَنْ؟ هل نضحك على أنفسنا أم نستخف بعقول المتابعين لتلك الصفحات، حماية الوطن واجب قسري برأي الشخصي، وليس علينا ونحن لا نستطيع أن نفعل جزء مما يقدمه حُماة الوطن إلا تجديد غريزة الحماية في عقلنا الباطني لأن الفرصة لا تتكرر مرتين؛ كوننا نعيش ضمن تحولات سياسية يومية تتعلق بحياتنا ومصيرنا كشعب يطالب بحقوقه ويدافع عن أرضه، لذا من المهم أن نكون مساندين ومؤيدين وممتنين لمن يقوم بحمايتنا اليوم. من يضحي بأغلى ما لديه يستحق كل المحبة والاحترام والتقدير.

إذاً أين محلنا من الإعراب؟ للأسف إذا لم نتحرر من قيود الفيس بوك التي صنعتها الرأسمالية سوف نبقى عبيد شاشاتنا, ومجرد خيال في العالم الافتراضي الذي سوف يتلاشى في أي وقت.

الحل هو مراجعة أنفسنا والبدء بذاتنا أولاً ثم من داخل الأسرة بأن نُعلِّمَ أولادنا على حب الوطن والعلم واللغة, وكيفية المحافظة على نظافة المنزل والشارع والمدرسة, وثانياً نعلم شبابنا كيف يحترمون مَنْ هم أكبر منهم سناً وقدراً وأن نتعلم كيفية الدفاع عن الوطن والمجتمع وأن نعرف جيداً ماذا يعني لنا تاريخ كردستان ليس فقط عبر الفيس بوك واليوتيوب. ثالثاً: يتطلب من المثقفين والمعلمين في هذا الوطن العمل على بناء جيل يحمي ويضحي من أجل وطنه ويزرع ثقافة الحياة وأن يكون شعارنا نحن نعيش لنحمي وطننا ومجتمعنا وأن نتحمل المسؤولية تجاه الشعب، ونزرع مفاهيم التعايش السلمي المشترك وأن نقف ونحارب ونكون نموذج في عشق الوطن والمجتمع للجميع.

في السابق الدولة وأفرعها الأمنية لم تسمح لنا أن نتكلم أو نتحدث بلغتنا ولنحتفل بأبسط حقوقنا المشروعة، وكذلك اليوم تفعل المعارضة بعدم اعترافها بالشعب في روجافا, علينا كشعب روج آفا أن نكون مدركين للخطر الذي يطارد مناطقنا وخاصة من ضعاف النفوس الذين يبيعون كل شيء وأي شيء يخص الوطن والمجتمع وحتى أهله في سبيل الحصول على بعض الدولارات والليرات ولا يعرف لماذا وُجدت فيه غريزة الحماية والغِيرة على المجتمع. علينا أن نقف سداً في وجههم مهما حصل ونتعاون كشعب مع القوات التي تشكلت لأجل سوريا ديمقراطية متعددة القوميات والطوائف ونرسم لوحة متكاملة على أرضنا مليئة بالحب والكرامة والسلام ونحافظ على ميراث الشهداء الأبرار الذين بنوا بدمائهم أسوار كوباني وعفرين والجزيرة, وأن نجعل حماية الوطن والدفاع عنه أفعالاً لا شعارات، وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى معرفتنا للمعنى الحقيقي للحماية أو الدفاع عن النفس والحقوق.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق