مقالات

تهديدات أردوغان وتداعياتها

جواهر عثمان

في مستهل حديث الصحافة المحلية والإقليمية والعالمية والتركية نتابع ونقرأ التصريحات والتهديدات التركية لمناطق شمال وشرق سوريا، وقد بدأ هذا التهديد باستهداف بعض المدنيين بشكل مباشر وعبر مُسيَّرات حربية، ونحن نعتبر هذه التهديدات ليست بجديدة ولن تكون الأخيرة، ولكن هذه المرة ستكون عواقبها قاسية على أردوغان إن بدأ بتنفيذها  بشكل أو بآخر.

ندرك تماماً أن هذه التهديدات والبروباغندا هي للهروب من أزمته الداخلية التي أنهكت كاهل الشعب، نتيجة سياساته الفاشلة والذهنية الفاشية التي  يمارسها على شعوب تركيا وآليات القمع التي استخدمها لقمع الحريات وكبت الأصوات المناهضة لسياساته التعسفية في الداخل التركي وخارجه، ونعلم جيداً أن تمكُّن حزب العدالة والتنمية من الاستمرار طويلاً في قيادة دفة الحكم في تركيا إنما كان بأساليب قمعية ورادعة لأي فكرة تنادي بالديمقراطية، وكانت خدعة الدين قد أخذت عمقاً في رؤوس نسبة كبيرة من الموالين والمتدينين، وكان لهم الدور الأكبر في رفع نسبة أصوات الانتخابات السابقة.

وإن قارنا الظروف المادية والموضوعية منذ بداية توليه السلطة بالوضع الحالي فأننا سنجد مفارقات كبيرة من حيث القبول والتقبل بأسلوب وتوجه إدارة Akp السياسي الذي انهارت بسببها تركيا سياسياً واقتصادياً،  وانخفضت مستواها في مقايضات الاتحاد الأوروبي حيث باتت أوراق حزب العدالة والتنمية محروقة لدى أغلبية الشعوب الأوروبية وذلك بسبب دعمه للإرهاب والضغط على أوروبا وتهديدها باللاجئين السوريين، إضافة إلى توجه الحزب نحو السياسة الروسية واستغنائه عن العلاقات مع دول أوروبا وتدهور علاقاته مع الأمريكان حيث بات يضغط عليهم من خلال صفقات صواريخ S_400.

قد تكون هذه بعض الأمور المعلنة، وربما ما خفي أعظم، فإن تمعنَّا في مدى تطور أو تدني العلاقات بين أردوغان وبين الغرب أدركنا بأن ذلك لا يعني أن الطرفين سيستغنون عن بعضهم البعض، إنما هذا كله فقط تعتبر ضغوطات للموافقة أو تسهيل بعض الأمور فيما بينهم وهو مجرد تحضير للتوافقات الدولية في الشرق، وستخوض المنطقة مخاضاً عسيراً للوصول إلى تلك الأهداف، ولكن مع انخفاض دور تركيا في سير السياسات وتدهور حالتها الاقتصادية والدبلوماسية المغرورة التي كشفت عن غاياتها البائسة ما يعني أن المرحلة ليست إلا تحضير لجنازة حكومة Akp بقيادة أردوغان، وأن ما ستؤول إليه الحال ستكون مأساوية بالنسبة للشعوب في تركيا، وكان على أحزاب المعارضة في تركيا المبادرة وبشكل قوي للوقوف في وجه هذه السياسة أو كان عليهم توحيد الصفوف لمواجهة حزب العدالة والتنمية وكسر شوكته التي غرست في خاصرة الشعب وأدت إلى نزيف كبير لدم الشعب، لأن استمرار الحزب في الحكم سيكون أشد وطأة فعندما يرى أردوغان أن البساط ينسحب من تحت أرجله سيستخدم أشد الأساليب للصمود لإطالة عمره في سدة الحكم.

إذا عُدنا إلى التهديدات وأسباب اجتياح أردوغان لأراضي سوريا ستظهر للعيان أنها كانت بسبب أطماع اقتصادية ليعتبرها مشروع تمويل للمرتزقة الذين ينصاعون لأوامره من جهة ومن جهة أخرى  كان لفتح الطرق وقنوات تنقُّل الإرهابيين في الأراضي السورية من وإلى تركيا وسرقة آلة الصناعة والموارد الزراعية من المناطق المحتلة، ولم يكن يوماً سبب الاجتياح هو حماية الشعب السوري كما ادعى أردوغان، ورغم ذلك كان الغرب يشاهد ما يجري، ويمنح أردوغان الضوء الأخضر لاستخدام آلته العسكرية ضد الشعب السوري وما زال حتى اللحظة في الكثير من المناطق وأمام أنظار الضامن الروسي والأميركي.

وبمقاربة المعطيات نجد أن ما يسعى إليه أردوغان كما قلنا في بداية حديثنا هو بروباغندا لإطالة عمر السلطة التي منحه الغرب وأصبح بموجبها شرطي المنطقة بالنسبة لهم، وإن انتهت مهمته سيختفي كما اختفى من قبله الكثير من الدكتاتوريين في الشرق الأوسط، وما علينا إدراكه كشعوب متعايشة في شمال وشرق سوريا هو أن نفقه جيداً ما يرسمه لنا “الدول المنتدبة” وإن كان مسمى  قديم لكنه يستحدث نفسه بصيغة جديدة، وعلينا أن نكون واعِين  لهذه السياسات ونخضعها للتمحيص والتحليل، وأن نتمسك جيداً بمبادئ الثورة ولا نستسلم للحرب الخاصة التي هي أكثر ضراوة من  حرب السلاح؛ فحرب الخنادق تتعرف فيها على عدوك بشكل جيد أما في الحرب الخاصة فعليك أن تبحث جيداً عن عدوك كي لا تقع في كمائنه، فحرب أردوغان على المنطقة حرب يستخدم فيها جميع الأساليب اللاأخلاقية والتي لا تُستمد من قوانين الحروب أي بند منها، فهو على حافة الهاوية وسيعتمد الكثير من الطرق غير الشرعية لاستمراره على كرسي السلطة وقد يساعده بعض الأطراف التي تكسب من علاقتهم به، ولكن هي مجرد صفقات لا غير، فحكومة أردوغان فقدت المصداقية  داخلاً وخارجاً، وعلينا أن نستغل هذا الضعف ونقوي دبلوماسيتنا مع الشعوب قبل الحكومات؛ لأن الشعوب هي التي تغير السياسات وليست الحكومات، لا تطفئوا نار الثورة في قلوبكم، ابقوها متقدة حتى تحرقوا بها من يعاديكم.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق