مانشيتمقالات

انبعاث داعش في البادية بين الأجندات الدولية والإقليمية

د.أحمد سينو ــ

لاريب أن تنظيم داعش قد استعاد الكثير من الحيوية والنشاط في هجماته العنيفة في البادية السورية، هذا ما يظهر من خلال سياق الأحداث في العام الحالي 2024 وخاصة في الربيع وفي موسم جمع الكمأة، توالت التفجيرات والهجمات على المدنيين واعتُرضت الحافلات التابعة لجيش النظام السوري، وأودت بحياة أكثر من 22 قتيلاً، مما يدل على عودة تنظيم داعش وانبعاثه حيث قام منذ بداية عام 2024 بأكثر من 150 هجوماً في غرب الفرات وفي مناطق سيطرة النظام السوري وحلفائه الدوليين كروسيا والإقليميين كالجمهورية الإسلامية، ناهيك عن عملياته الهجومية وتفجيراته في مدينة دير الزور والرقة والطبقة ومدينة البوكمال الواقعة على الحدود السورية العراقية، مما يدل على امتداد وجوده كخلايا منظمة داخل الأراضي العراقية وفي باديتها جنوب مدينة الرمادي وأحياناً يمتد ذراعه إلى بادية الحسكة في مدينة الشدادي وريفها وإلى مخيمات ورعاياه في مدينة الهول ومخيمه الكبير الذي يضم أكثر من 50 ألفاً من النساء والأطفال، حيث تتوالى عمليات القتل من حين إلى آخر “يخفت دوره ويتراجع حين تقوم قوات قسد بعمليات مداهمة للمخيم وتعثر على أسلحة وقنابل وأدوات حفر وأنفاق وغيرها”.

كما تجري من حينٍ إلى آخر عمليات تهريب للنسوة الداعشيات بعد رشوة الحراس بمتابعة من العملاء التابعين لهم، وهذا يعني بشكل من الأشكال أن هذا التنظيم لايزال يتلقى الدعم من بعض الأطراف الإقليمية التي لها مصلحة في تقويض الاستقرار في مناطق شمال شرقي سوريا (مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية)، التي تخطو خطوات حثيثة نحو التقدم والتطور وتحقيق الاستقرار كقانون العقد الاجتماعي، وقانون المفوضية العامة للانتخابات والقيام بإجراء الانتخابات البلدية رغم تلقيها الهجمات المتكررة من دولة الاحتلال التركي التي تستهدف المنشآت والبنى التحتية “من المصانع والمعامل ومراكز ومنشآت النفط والغاز وغيرها”، مما يوحي بوجود تنسيق ما بين الجانبين وهم حزب العدالة والتنمية وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لأن ممارسات الجانبين تصب في أخدود واحد، وأن التنظيم لايزال يتلقى الدعم من الأطراف التي تريد ضرب الاستقرار وتحقيق أهدافها بالميثاق الملي.

وبالعودة إلى وجوده وسيطرته في البادية السورية وهجماته الوحشية تجاه مناطق سيطرة النظام السوري والروسي والإيراني، يعتبر النظام وجود التنظيم خطراً كبيراً لذلك لا يتوانى عن توجيه الضربات الجوية تستهدف أماكن التنظيم في المرتفعات السورية، ويقابل داعش ذلك بالتحرك وتغيير أماكن تمركزه، أي أنه في تنقل مستمر في الرقعة السورية الواسعة التي قد تزيد عن 80 كم مربع “شرقي مناطق الطبقة حتى قرب مناطق التنف على الحدود السورية الأردنية والعراقية”، قرب قاعدة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، مما يوحي في إشارة ربما يتلقى تنظيم داعش دعماً عسكرياً أو لوجستياً من الولايات المتحدة الأمريكية لأن لها مصلحة في تقويض النظام السوري ودحر حلفاءه من الروس والإيرانيين بهدف ضرب استقرار النظام السوري الذي يلقى عقوبات أمريكية مثل قانون قيصر وقانون الكبتاكون “قانون تجارة المخدرات” وإضعاف السيطرة الإيرانية على الطرق البرية بين سوريا والعراق لضرب طريق الإمداد الإيراني من الأسلحة والذخائر والنفط وغيرها من العراق وإليها.

وحسب بعض المراقبين فإن انبعاث داعش في البادية السورية مصلحة أمريكية ربما تكون ذريعة لاستمرار وجودها في سوريا، كما يجب ألَّا ننسى أن التنظيم له مصلحة قوية في انبعاثه وبقاءه على قيد الحياة وذلك بالاستفادة من الأجندات المتناقضة لدى الدول الإقليمية، ويستفيد ما أمكن من الدعم الذي يتلقاه من الأطراف الإقليمية أو حتى الأطراف الدولية، بل يسعى إلى استعادة سيطرته على بعض المناطق الصحراوية والمدن والبلدات الحدودية من مختلف الجهات لتحقيق أهدافه وأجنداته.

وأخيراً، نستطيع القول: رغم كل المحاولات من تنظيم داعش فأنه لم يحقق النجاح بالسيطرة على رقعة جغرافية ثابتة رغم استخدامه كأداة بين أجندات الأطراف الدولية والإقليمية، لقد كان لسلاح الجو التابع للتحالف الدولي إعاقة استقراره وإنعاشه وكذلك لسلاح الجو الروسي والسوري في ضرب أوكاره وخلاياه وملاحقتهم المستمرة في البادية وفي الرقة وفي التنف وغيرها، الأمر الذي يدفع جميع الأطراف الدولية والإقليمية ذات المصلحة في أن يلفظ التنظيم أنفاسه الأخيرة، ولذلك على هذه الأطراف تمشيط البادية السورية، وتكاتف الجهود الاستخبارية لاستئصال بقايا خلاياه في كل مكان في غرب الفرات كما في شرقي الفرات.

زر الذهاب إلى الأعلى