مقالات

المقاومة المتجسدة في جبالنا ملحمة هزمت العنجهية التركية

ياسر خلف
ان وعي الانسان لذاته ومعرفته لمكامن قوته يمهد الطريق نحو تحقيق الهدف والغاية من الحياة، وقد يكون الوعي بالنسبة لأمة عانت الظلم والقهر والاستبداد طيلة مسيرتها التاريخية وكينونتها الوجودية السلاح الاسمى والأنجع في مواجهة الظروف القسرية والقمعية المفروضة عليها، وهنا تكون الإرادة المقاومة السمة الأبرز لبلورة الوعي الذاتي والجمعي لشعب غُيِّبَ عن ثقافته وحضارته و أُسدلَ على مستقبله وحاضره الجهل والظلام بشكل ممنهج ومدروس من قبل الأنظمة الاحتلالية المتحكمة بمصيره عبر أدوات ووسائل السلطة والاستغلال، وهذا تماماً ما تمارسه القوى التي تتقاسم وتحتل الجغرافيا الكردستانية وفي مقدمتها دولة الاحتلال التركي التي ترى “أن افضل كردي هو الكردي الميت”، وهذا المنحى والتكوين المتطرف هو في حقيقة الأمر قوالب أيديولوجية مترسخة ومتشعبة في منهجها وبناها الفكرية المتعصبة الرافضة لأي تنوع ثقافي وقومي وديني واثني خارج عن بوتقتها القوموية العنصرية، وتستخدم كل الأساليب والأدوات والسياسات القذرة لمنع أي تحول ديمقراطي يكون من شأنه احداث التغيير في بنيتها القمعية المتسلطة وذهنيتها المتعصبة ليشكل أبشع وأفظع صور الاستغلال والاستثمار لجانبيها الديني والقومي واستخدامهما كأدوات للقمع والاضطهاد لمواجهة الحركات التحررية الثورية في الداخل والخارج لمنعها من ادرك ذاتها والوصول الى حقيقتها ورقيها الإنساني الموغل في التاريخ كأحد ابرز المساهمين في التكوين الحضاري للبشرية جمعاء.
وفي المقابل من هذا العقلية السوداء هناك الكثير من مقومات الانتصار على هذه الديستوبيا المقيتة والعنصرية لدولة الاحتلال التركية، وربما التي تعد أكثرها رسوخاً على الإطلاق و هي الحقيقة التي تجسدت في التكوين القيمي والمبدئي لقوات حماية الشعب والمرأة (الكريلا) التي تسطر أروع ملاحم البطولة على ذرى جبالنا في حفتانين وآفاشين والزاب ومتينا وكارا.. و ربما لا يعلم الكثير منا أن هناك إرادة وتصميم لآلاف المقاومين تقفان خلف انتصاراتنا ومكتسباتنا واستمرار وجودنا كشعب بات يمتلك من الإرادة والوعي ما يؤرق بها مضاجع الأعداء، و ربما تعد هذه الإرادة والمقاومة من أعظم الملاحم والقيم المتوارثة في تاريخ حركة التحرر الكردستانية فكما أن الشمس والأرض والمطر… هي حقائق كونية؛ فإن فلسفة وفكر وأيديولوجية هؤلاء المقاومين أصبحت حقيقة قِيَميَّة ومبدئية ووجدانية تأصلت في الضمير والوجدان والذاكرة الجمعية الكردستانية، وبفضل فلسفة أبناء الجبال والشمس بات العالم أجمع يعي أن الحرية كقيمة ومعنى تكمن في ثورة الشعب الكردستاني سواءً في جبالنا الشامخة أو في روج آفا وشمال شرق سوريا، وربما يمكننا الجزم بأن الوعي الشعبي على المستوى العالمي بات يرى في الحقيقة المجتمعية الموجودة في كل من شمال كردستان وروج آفا وشمال وشرق سوريا بمثابة مرآة تعكس الأنا العليا الداخلية لديهم والتي لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمبادئ المجتمعية لشعوبها مع الابتعاد الكامل عن جميع الأفعال اللاأخلاقية والشهوانية أو الغرائزية والمنفعية لدى حكوماتها والذي يتمثل في واقعنا المعاش بصحوة واستيقاظ الضمير العالمي على شعب بات يشكل وجوداً أخلاقيا وسياسياً في معادلة من شأنها إحداث التغيير الديمقراطي ليس ضمن الشرق الأوسط فحسب ولكن ليتعداه إلى كافة أرجاء المعمورة عبر مقاومة أبنائه لكافة اشكال الإرهاب العالمي المتمثل بدولة الاحتلال التركي وأدواتها من المجاميع الإرهابية المتفرخة من حركات الاخوان المسلمين بزعامة خليفتها أردوغان كالقاعدة والنصرة وداعش ومثيلاتها الإيرانية التي لا تختلف عنها من حيث المرجعية والتطرف أو من الذهنيات العنصرية المتمثلة بالحركات العنصرية القوموية التركية والبعثية العفلقية في كل من سوريا والعراق في عهدي الأسد وصدام سابقاً.
ومن هنا يكمن تناغم هذه القوى والنظم الدكتاتورية وتحالفها الخفي رغم التناقضات والعداء الذي يبدونها في العلن فهم متوافقون على قمع أي حركة ثورية من شأنها أن تهدد عروشهم وسلطتهم القائمة على الانكار والاستغلال، وقد يكون أحد أبرز أسباب فشل الثورة السورية هي تحولها الى أدوات مرتهنة للاحتلال التركي ومصالحها ليحالوا الى مرتزقة تحت الطلب تحركهم المشيئة التركيا لتحقيق مخططاتها التوسعية على حساب دماء الشعب السوري وأرضه وثرواته.
فما يمكن التنويه اليه هنا ان جميع السياسات التركية في عهد العدالة والتنمية برئاسة سلطانها أردوغان كان الهدف منها هو اخضاع شعوب المنطقة وتحويلها الى امارات عثمانية ومنعها من تحقيق التغير الديمقراطي وخاصة في دول ما سميت بـ”ثورات الربيع العربي” بدءً من تونس ومصر وليبيا واليمن وصولاً الى سوريا والعراق وتعدتها الى القوقاز وحوض المتوسط لتهدد اليونان واوكرانيا، و كرست في سبيل ذلك جميع أساليب الحرب القذرة لتشكل تهديداً على جميع دول العالم سواء بتصدير الإرهاب العالمي أو باستغلال معناة الشعوب والمتاجرة بوجودهم عبر التهديد بورقة اللاجئين في وجه دول الاتحاد الأوربي، وذلك من خلال سياسة اللعب على متناقضات السياسة الدولية بين القوى العظمة وصراعاتها للهيمنة العالمية، الأمر الذي أدى الى عزلتها دولياً نتيجةً لسياساتها العدائية لمحيطها الإقليمي والدولي وانعكاس ذلك على الداخل التركي والذي بدوره يعاني من أزمة اقتصادية عميقة وانهيار لعملتها الوطنية وارتفاع معدلات التضخم مما حذا بحكومة العدالة والتنمية مجدداً الى اللجوء لسياسة الاستجداء والتوسل لدى الدول التي ناصبتها العداء كمصر ودول الخليج واليونان ودول الاتحاد الأوربي في استدارة وانتكاسة الى الخلف والتنازل عن العديد من أدواتها كجماعات الاخوان المسلمين وسحب المرتزقة من ليبيا في سعي منها للاحتفاظ بالمناطق التي احتلتها سواء في سوريا أو العراق “جنوب كردستان”، وهو ما نلاحظه من استخدام الدبلوماسية والسياسة الناعمة من جهة وأساليب الضغط الاقتصادي من جهة أخرى كالعمل على قطع مياه دجلة والفرات كورقة تهديد دائمة ضد شعوب سوريا والعراق وإخضاع حكوماتها لسياساتها ومخططاتها وخاصة محاربة حركة التحرر الكردستانية ومنع حصول شعوب المنطقة على حقوقها وخاصة في شمال وشرق سوريا وجنوب كردستان .
ان ما يمكن التأكيد عليه ان المقاومة التي أبدتها حركة التحرر الكردستانية في الآونة الأخيرة في كل من كارا وآفاشين ومتينا والزاب رغم ضخامة الحملة العسكرية للجيش التركي والتي سميت “بمخلب البرق” لكنها فشلت وباعتراف وزير الدفاع التركي خلوص أكار من تحقيق أي نتيجة وعلى العكس فقد تكبدت خسائر فادحة في العدة والعتاد وذلك بعد اعلان حركة التحرر الكردستانية حملتها الثورية المضادة صقور زاغروس ليجبر الجيش التركي على التقهقر والانهزام رغم استخدامها كافة صنوف الأسلحة ومنها المحرمة دولياً، وذلك في أعظم ملحمة سطرتها الحركة التحررية والقوى الثورية بقيادة حزب العمال الكردستاني وليشكل منعطفاً تاريخياً لقنت العنجهية التركية درساً في البطولة والمقاومة التي قل نظيرها ولتشكل أفقاً سياسياً جديداً لم يعد بإمكان الاحتلال التركي من بعدها انكار حقيقة القضية الكردية وشرعيتها على الرغم من حملتها الدعائية والإعلامية المترافقة مع حملتها العسكرية والتي شارك في ترويجها بعض من الجحوش والمرتزقة الكرد لشرعنتها، إلا إنها مُنيَت بالهزيمة والفشل الذريع على الصعيد العسكري والسياسي لتتحول الى نقمه ولعنة ستطارد كل من ساندها وصمت وغض الطرف عنها .

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق