مقالات

المجتمع الكُردي والفضاء العمومي

آلان بيري

أعي جيداً أنه علينا اليوم مناقشة القضايا المُلحة والطارئة، وأن نلتفت إلى مشاكلنا اليومية ونشخصها ونطرح الحلول والبدائل الناجعة قدر الإمكان. وأعي جيداً أنه علينا مراعاة جميع الظروف التي تمر بها سوريا والمنطقة الكُردية وعموم المنطقة، وفهمها على أنها ظروف تحكمها واقع حرب مريرة ما تزال مستمرة حتى اللحظة. كل هذا لا بد من الاحتفاظ به والبناء عليه بما يتماشى مع ما تفرضه من واقع جديد مختلف.

ولكن هذا لا يعني قطعاً أنه علينا العزوف عن العمل على المصطلحات والمفاهيم النظرية، والتي أرى أنها اليوم أكثر ضرورة وإلحاحاً من أي وقت آخر مضى. فنحن حينما لا نستطيع وضع إطار نظري لواقعنا، لتاريخنا، للسياسات المتبعة ولكل ما له شأن بحاضر التطور الاجتماعي في المنطقة الكُردية، تواجهنا مشاكل الفهم والتحليل الصحيحين. كما وأن معاناتنا تكمن في النقص الحاد في المخزون النظري ونقص آخر أكثر حدَّةً في وجود تقليد متواصل من التقييمات والشروحات النظرية للقضية الكُردية ككل وللقضايا المتطورة عنها في كل مجتمع كُردي على حِدَة.

هذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لم يكن ثمة مَنْ بدأ بوضع الشروحات والتأسيس لإطار مفاهيمي نظري للقضية الكُردية عموماً. إذ بالإمكان ذكر بعض الأسماء ضمن هذا السياق رغم قلتهم، من مثل: عبد الرحمن قاسملو، عبد الله أوجلان وسيداي جكرخوين (إلى حَدٍ ما من خلال بعض القضايا المُلحة وذات الأهمية وذات الصلة بواقع الكُرد والتي أثارها من خلال أشعاره). إذ شرع هؤلاء الثلاثة وعلى رأسهم عبد الله أوجلان وعبد الرحمن قاسملو في التأسيس لإطار نظري جيد للقضية الكُردية، وقدموا عدداً من الشروحات والتقييمات وعالجوا مجموعة مهمة من المفاهيم والمصطلحات، كما ودرسوا التاريخ السياسي والاجتماعي للكُرد بِحِرَّفية أكبر من سرديات التاريخ الكلاسيكية المعتادة، التي طالما نقرأها هنا أو هناك.

كان لا بد من هذه التوطئة؛ ليتنسى لي في الأسطر القليلة التالية طرح موضوع مقال اليوم، والذي سيتناول جانباً مهماً من نظرية الفيلسوف الألماني المُعاصر يورغن هابرماس في الفعل التواصلي((Theorie des kommunikativen Handels وإسقاطها مِنْ ثَمَّ على حاضر المجتمع الكُردي في كلٍ من سوريا والعراق (حيث وجود سلطات كُردية محلية حاكمة، تتمتع باستقلالية نسبية).

يرى هابرماس أن المجتمع منقسمٌ إلى قسمين أساسيين (أو بات منقسماً انقساما شديداً إلى هذا الحد في العصر الحديث)؛ فهنالك على الجانب الأول “النظام”: وهو الناظم الاقتصادي والإدارة المُنظمة من قِبل الدولة (في مثالنا: حكومة الإقليم والإدارة الذاتية) اللتان تسعيان إلى الاحتفاظ بالسلطة والمال العام ومجمل مقدرات الاقتصاد المحلي والأموال الدخيلة، لأسباب تتعلق بالأمن (بمعناه التقليدي) وأخرى تتعلق بسعيهما في الحفاظ على الهياكل الإدارية؛ وعلى الجانب الآخر ما يسميه هابرماس “بالعالم المُعاش” (Lebenswelt) والذي ينقسم بدوره إلى “الحياة والعلاقات الخاصة” وإلى ما يسميه “بالفضاء العمومي” (Öffentlichkeit)، وهذا ما أود التركيز عليه الآن ضمن هذا المقال الموجز.

وما يريد هابرماس قوله بإيجاز هو أن الهوَّة قد اتسعت كثيراً بين كل من “العالم المُعاش” بشقيه و”النظام” القائم في الوقت الراهن على خلاف ما كان عليه الحال قديماً، مما قلل بالتالي من فُرص الفعل التواصلي بين الناس والنظام من خلال “الفضاء العمومي” والذي يراه هابرماس أكثر بكثير مما نسميه نحن عادة “بالرأي العام”، والنتيجة التي يستخلصها هابرماس من توضيحاته وشروحاته المستفيضة والتي تتطرق إلى الأنظمة الرأسمالية الغربية على وجه الخصوص هي أن “النظام القائم يستعمر العالم المُعاش”.

ماذا يفيدنا هذا الآن ضمن السياق الكُردي، وكيف يمكن للإسقاط أن يتم على نحو صحيح؟ لدينا الآن أنظمة حاكمة في “القطرين الكُرديين” ومجتمع بشري فيه جميع العلاقات العائلية وعلاقات العمل والمصالح المتبادلة من جهة، وتنظيمات متفرقة للكُتَّاب والسياسيين والمثقفين تمثل شيئاً من الفضاء العمومي من جهة أخرى. ما نلاحظه – وعلى غرار ما ذهب إليه هابرماس أيضاً -أن الهوَّة بين النظام والعالم المُعاش تتسع، وإن لم تكن بحجم ما هو عليه الحال في المجتمعات الرأسمالية الغربية وامتداداتها في القارة الأمريكية. إلا أن هذه الهوة التي تتسع شيئاً فشيئاً هي من جانب واحد في المجتمع الكُردي، وهذا أكثر ما يميزها. فالنظام القائم هو من تسبب بهذه الهوة، ولم يقدم سوى عدد قليل من “إجراءات التعويض” والتي يمكن أن تكون بتوفير متطلبات الحياة الأولية للناس والعمل على رفع المستوى المعيشي وضبط الفساد الإداري ومعالجة الأخطاء المتراكمة.

الأمر الآخر والذي أعتبره على قدر كبير من الأهمية هو افتقار المجتمع الكُردي “لفضاء عمومي” حقيقي يتحمل مسؤولية التأسيس لخطاب واقعي يمس راهن النظام والعالم المُعاش الكُرديين؛ ويقدم لاعبيه الشروحات والإيضاحات ذات الصلة بأخطاء النظام، وطرح البدائل الممكنة بواقعية عقلانية رتيبة مستمرة خالية من أية أوتوبية كلامية رخيصة. عندئذ، يمكن لنا التفاؤل حقاً وانتظار مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق