ثقافةسوريةمانشيت

اللعبة التركية الأخطر ..تدمير التراث الثقافي الإنساني في منطقة عفرين السورية

تمهيد:       

شهدت منطقة عفرين منذ أكثر من ثلاث سنوات أحداثاً مؤلمة لم تنته إلى الآن ألقت بظلالها السوداء على جميع نواحي الحياة وانعكست سلباً بشكلٍ عميق على كافة القطاعات بما فيها الطبيعة والبيئة والقطاع الحيواني، إلا أن أكثر هذه القطاعات تأثراً على المدى البعيد كان قطاع التراث الثقافي الإنساني المادي وغير المادي والمواقع الأثرية بشكلٍ خاص.                    

أولاًـ لمحة تاريخية عن جياي كورمنج:

تقع منطقة عفرين في الزاوية الشمالية الغربية من الجغرافيا السورية ويعود تاريخها إلى حوالي المليون سنة بحسب نتائج البعثة اليابانية السورية التي نقَّبت في كهف الدودرية، وتشكل أراضيها جزءاً رئيسياً من الهلال الخصيب الذي احتضن بواكير المجتمعات الزراعية المستقرة والثقافة الحلفية ومن ثم العبيدية وصولاً الى العصور التاريخية حيث كانت المنطقة جزءاً من مملكة موكيش، ودخلت المنطقة فترةً مظلمةً إثر انهيار الامبراطورية الحثية الكبرى إلى أن نهضت مملكة حثية جديدة عُرفت بــ (باتينا أو خاتينا) على أراضيها الممتدة إلى شواطئ المتوسط، وكانت من بين أغنى وأهم الممالك الحثية الجديدة التي عانت كثيراً من غزوات الآشوريين وإتاواتهم وحاولت تلك الممالك مراتٍ عديدة الوقوف في وجه الآشوريين دون جدوى لعدم قدرتهم على خلق وتكوين وحدتهم، ما أدى إلى وضع الآشوريين حداً لها في القرن السابع ق.م، وأصبحت المنطقة تُعرف باسمها الآشوري (اونكي ـ اونقي-عمقي) التابعة للآشوريين، ونعتقد أن معبد عين دارة الأثري من بقايا الانجازات الحضارية لمملكة باتينا.                             

بعد انهيار الآشوريين أمام الميديين خضعت المنطقة لسلطان الميديين فالأخميديين، وعثر في عين دارة (الطبقة الخامسة)على ختم إداري من الحجر البلوري عليه نقش يمثل الإله الرئيسي في الديانة الزرداشتية (أهورا مزدا).

مع انهيار الامبراطورية الاخميدية على يد الاسكندر عام 333ق.م دخلت المنطقة في العصور الكلاسيكية (يوناني ـ  روماني ـ بيزنطي) إلى العام 637م لتبدأ العصور الإسلامية باختلاف دولها ومعاناة المنطقة خلال هذه الفترة من هجوم المغول ومن ثم الأتراك العثمانيين وصولاً إلى عتبات القرن العشرين وعصر الدول القومية، ويعتبر الاسم الإداري الأشهر والأطول استخداماً للمنطقة خلال تاريخها وإلى الآن هو (جياي كورمنج) سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي في وثائق الدول الحاكمة للمنطقة، والذي يعني بالعربية جبل الكُرد، ولا نملك أية وثائق كتابية تدل على الاسم صراحةً قبل الفترة العثمانية إلا أنه يمكننا الجزم بأن الاسم أقدم بكثير من هذه الفترة، فحين احتل العثمانيون سوريا قاموا بترجمة المصطلح الى لغتهم التركية ودونوه في وثائقهم وخرائطهم بالاسم التركي (كرد طاغ)، ما يعني منطقياً وجود التسمية (جياي كورمنج) قبل الاحتلال العثماني للمنطقة عام 1516م لأن الأصل أقدم من الترجمة.

ثانياً: الأبحاث والدراسات المعتمدة على الارشيف العثماني ومنها بحث المؤرخ ستيفان فينتر الأستاذ في جامعة كيبيك مونتريال بكندا ـ ترجمة الدكتور نضال درويش، والمنشور في مجلة الأرشيف العثماني (العدد 27ـ 2010 )، يؤكد أن  المنطقة كانت منذ بداية الفترة العثمانية سنجقاً كردياً مستقلاً مركزه مدينة كلِّس الحالية وكان يسمى رسمياً بإقليم الكرد وكانت (كردطاغ) أحد أقضية لواء كلس حينئذٍ، إلا أن فشل ثورة “الجانبولاتيين” حُكام كلس بين عامي ( 1607ـ 1611م) قد كسرت من رتبة كلس كمركز إداري من سنجق أي (لواء) إلى قضاء، وتمثيل كردطاغ بعدة نواحي تتبع لها قرى المنطقة بأسمائها الحالية تماماً، فقد تعمَّدَ العثمانيون ربط هذه النواحي وقُرى جياي كورمنج بعدة أقضية كـ “كلس” و”جبل سمعان” واصلاحية وعزية وذلك خوفاً من اجتماع كلمتهم وتجدد ثورتهم، ورغم هذه الإجراءات لم ينقطع ذكر “الكُرد” و”كردطاغ” في الوثائق الرسمية حيث تُذكر اللغة الكردية من بين اللغات المحكية لدى أهالي قضاء كلس؛ كما يذكر المصطلح كردطاغ في الوثائق العثمانية بشكلٍ ضيق وأصبحنا نقرأ الاسم عند ذكر نهر عفرين ومنبعه من كردطاغ في سالناما ولاية حلب.

استمر الاسم “كردطاغ” بصيغته التركية في وثائق الفرنسيين الذين أعادوا رتبة القضاء للمنطقة باسم قضاء كردطاغ وحاولوا منح المنطقة استقلالاً ذاتياً كإجراءٍ ضد التدخلات التركية من خلال عميلها “إبراهيم خليل أفندي” زعيم حركة المريدين الذي تسبب بحربٍ أهلية في المنطقة أدت إلى  مقتل الآلاف من أبناء “جياي كورمنج” وانقسام السكان بين سلطته و سلطة الأغوات وسلطات الانتداب الفرنسي.

بقيت التسمية “كردطاغ” متداولة بعد الاستقلال في وثائق الجمهورية السورية إلى عام 1952 حيث قام “فوزي سلو” بتغيير اسم القضاء من “كردطاغ” إلى “عفرين”، والجدير بالذكر أن التسمية مازالت متداولة على ألسنة كبار السن وأذهانهم وضمن التراث الشعبي اللامادي وبين صفحات المؤلفات الكتابية الحديثة والمعاصرة إلى الآن.

ثالثاً: الاحتلال التركي وتدمير التراث الإنساني في جياي كورمنج: إن ظاهرة الاحتلال التركي لمنطقة عفرين شكلت نقطةً مظلمةً ومهينة بمفرزاتها ومخرجاتها في تاريخ الإنسانية ككل إذا ما اعتبرنا التاريخ الإنساني مرتبطاً ببعضه بشكلٍ أو بآخر من حيث المبدأ، ويمكننا اعتبار تدمير المواقع التاريخية والاثرية بشكلٍ منهجي بمثابة تعدٍ سافر على التاريخ الإنساني عامةً لأن الكثير من هذه المواقع الأثرية تتجاوز بأهميتها الحدود الجغرافية للمنطقة لكونها مواقع عالمية ذو مكانةٍ متميزة في التاريخ البشري كمغارة “الدودرية” وعين دارة وسيروس والمواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي المصان بشكلٍ افتراضي من قبل المؤسسة الأممية المختصة (اليونسكو)، فقد تبين منذ الأيام الأولى للحرب التركية ومن ثم الاحتلال أن نتائجه لن تتوقف عند حد الممارسات التقليدية لمفهوم الاحتلال عبر التاريخ  بل سيتعدى هذا إلى ما هو أبشع، وتبلورت هذه الفكرة على أرض الواقع بانتهاج سلطات الاحتلال سياسةً تهدف إلى تدمير التراث الثقافي الإنساني المتراكم عبر الزمن والمتمثل في المواقع والتلال الأثرية والأماكن الدينية المقدسة لدى مختلف الأديان والمذاهب في المنطقة دونما تمييز، والتعدي على حُرمة المقابر والأضرحة وخاصةً مقابر شهداء الحرية الذين استشهدوا دفاعاً عن بقايا الكرامة والعرض والأرض خلال الأزمة السورية، وضرب الرموز الخاصة بالسكان الأصليين والتي تحمل بُعداً تاريخياً عميقاً يجب تدميره.

فقد كان هذا الهدف استراتيجياً بالنسبة لسلطات الاحتلال وكانت حريصةً منذ الأيام الأولى من حربها على تدمير هذا الرابط التاريخي المتوارث جيلاً عن جيل بشكلٍ متطرف ومهين وتصويره ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي لإيقاع أكبر الأثر في نفوس السكان الأصليين الكُرد، حيث شاهد العالم أجمع الطريقة الهمجية لتحطيم النصب التذكاري للرمز الأسطوري “كاوا الحداد” رمز التحرر عند الكرد أجمعين بآليةٍ ثقيلة (بلدوزر)، وإطلاق آلاف العيارات النارية على النصب أمام الكاميرات وكأنهم يبتغون من وراء ذلك إعدام فكرة التحرر من نير الاحتلال في ذاكرة الشعب الكردي بشكلٍ عام.

إن مسألة تدمير وتجريف المواقع الأثرية والتاريخية تحمل في طياتها جوانب خطيرة للغاية تتعدى الدوافع المادية لمخططيها ومرتكبيها والتي حدثت في منطقة عفرين على نطاق أوسع وأعنف شملت جميع المواقع والتلال الأثرية وخروجها من نطاق ومفهوم الحفر غير الشرعي عن الآثار؛ فالطريقة المتبعة في حفر وتخريب المواقع والتلال الأثرية في عفرين تتم أغلبها بالآليات الثقيلة التي تدمر أغلب القطع والمواد الأثرية الهشة بالأساس والتي تمثل المخلفات المادية للحضارات البشرية وتقوم بخلطها وترحيلها ونقلها من مكانها الأصلي ضمن التسلسل الطبقي لهذه التلال الأثرية التي تراكمت فيها عبر آلاف السنين، وكنا قد حذرنا ونبهنا المجتمع الدولي عبر مؤسساته ولجان تحقيقاته بعشرات التقارير والدراسات من أن هذا الأسلوب المتبع في تدمير وتخريب المواقع الأثرية في منطقة عفرين خاصةً وكافة المناطق السورية الخاضعة للسيطرة التركية  تتم بشكل منهجي وخطير للغاية وينذر بخسارة أبدية لهذه المواقع والتلال الأثرية وما تحويه من كنوزٍ كانت ستشكل بنكاً هائلاً من المعلومات والقرائن المادية لتاريخ الحضارات التي استوطنت  في هذا الجزء من الجغرافيا البشرية؛ لأن المواد الأثرية غير قابلة للاسترجاع إن لم يتم توثيقها ورفعها بشكل دقيق وعلمي أثناء الحفر والتنقيب ما يعني أن هذه الخسارة لم تنحصر بجغرافية عفرين وسكانها الأصليين بل تعدى ذلك إلى تمزيق صفحاتٍ ناصعة وكاملة من تاريخ الإنسانية جمعاء، ونعتقد جازمين أن هذه المجموعات التخريبية المنظمة والمكلفة والممولة والموجهة من السلطات التركية (الفصائل الإرهابية المسلحة من الجنسية السورية والمحسوبين على الائتلاف السوري المعارض) تقوم بممارسة هذه الأعمال التخريبية بأكثر الطرق عنفاً و تطرفاً وتخريباً في منطقةٍ بعينها (عفرين)، فلا يخفى على أحد وخلال الفترة الماضية على احتلال عفرين أن الانتهاكات الحاصلة في المناطق السورية الأخرى والواقعة تحت السيطرة التركية أقل بكثير و أخف حدةً من منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية، كما نعتقد أن الدولة التركية تحاول جاهدةً الحصول على نتائج تم تحديدها مسبقاً بهدف إخفاء وطمس وتدمير بعض الحقب التاريخية ضمن التسلسل الطبقي للتلال غير المنقبة خاصةً وتعزيز حقبٍ تاريخية أخرى مرتبطة بشكلٍ أو بآخر بتاريخ العرق التركي الدخيل في منطقتنا من خلال التزوير والتحريف؛ حيث يُعتبر هذا الأمر من أخطر الدوافع التي أدت إلى تدمير التراث الثقافي في منطقة عفرين لأنه يهدف إلى صياغة تاريخٍ ما وفقاً لمكتشفاتٍ وقطعٍ أثرية لا نعرف كيف وأين ومتى سيتم الإفصاح عنها، ولا نستغرب كثيراً أو نستبعد محاولة الدولة التركية دفن قطع أثرية مرتبطة بتاريخ العرق التركي في باطن هذه التلال والمواقع التي تم تخريبها ومن ثم كشفها تارةً أخرى من خلال تنقيبات أثرية  مستقبلية  بإشرافها ضمن هذه التلال عن طريق علماء آثار مرتبطين بها وإعلانها عن نتائج هذه التنقيبات التي يتم التخطيط لها الآن، وقد حدث هذا فعلاً وعلى أرض الواقع في المدفن الهرمي وملحقاته بسيروس (النبي هوري) وبشكلٍ رسمي عبر تصريحات المسؤولين الأتراك، فقد صرح مدير أوقاف هاتاي “أوميت غوكهان جيجك” بأن (الأوقاف التركية تُولي اهتماماً كبيراً لترميم وإحياء الآثار التي خلفها الأجداد في سوريا) في إشارةً الى الترميمات التي أجرتها السلطات التركية في المسجد العثماني وكانت الدولة التركية قد قامت بإجراء حفريات تخريبية في مجمع المدفن الهرمي خلال العام 2019 وسرقة القطع الأثرية الناتجة عن الحفر وقيامها بهدم أجزاء من الأصل القديم لمعالم أثرية  بعينها (المسجد العثماني) ومن ثم إجرائها لترميماتٍ وإضافة عناصر معمارية إلى هذا المسجد العثماني لم تكن موجودة في الأصل القديم كهدم الشرفة القديمة وإضافة شرفةٍ خشبيةٍ مكانها وتزوير الديكور الداخلي القديم وتحريفه من خلال إضافة منبرٍ خشبي يحمل سماتٍ عثمانية وإظهاره للعالم بأنه كان من الأبنية الهامة والمحورية في منطقة عفرين خلال العهد العثماني وكأنه يبتغي من وراء هذا إيصال رسالة إلى العالم فحواها (لسنا أقل من الحضارات السابقة وكنا مؤثرين هنا أيضاً)، وذلك لعلمها سلفاً بأن فترة الحكم العثماني لم تكن مؤثرة في منطقة عفرين كثيراً والدليل هو عدم وجود أية إنجازات معمارية وفنية لهذه الحقبة على جغرافية المنطقة عدا هذا المسجد والخان الذي يقابله وكانا بالأصل بناءان بسيطان على طريق المسافرين باتجاه كلس وحلب, إضافة إلى كشفنا لقضية اللوحات الفسيفسائية المكتشفة في “النبي هوري” من قبل المدعو “محمد علوش” وتلقيه التعليمات من الاستخبارات التركية بتزوير اللوحات من خلال صنع لوحات حديثة في محاولةٍ فاشلة ترمي إلى تضليل الرأي العام وصرفه عن اللوحات الأصلية، وبعد كشفنا لعملية التزوير تم تغييب المدعو محمد علوش ولم نعد نسمع عنه في ملف تخريب الآثار وتدميرها، كما أن عملية قصف معبد “عين دارة” في اليوم الثاني من الحرب التركية لم تكن صدفةٍ أو ضرورةٍ عسكريةٍ، والمستقبل القريب سيكشف ذلك إن حدثت محاكمة لهذه الجريمة النكراء ومطالبة الدولة التركية بتقديم الدليل الذي يكشف سبب قصفها لهذا الصرح الحضاري الإنساني، فالطائرات التركية التي نفذت هذه الجريمة  تمتلك كاميراتٍ حديثة ودقيقة تقوم بتصوير أهدافها قبل تدميرها، وعلى الدولة التركية تقديم الدليل المادي للهدف الذي تم استهدافه في المعبد، وإلا فإن المستهدف كان المعبد والحضارة والتاريخ.

إن هذه النظرية أو الفكرة لم تأتِ من فراغ أو تخمينات لا أساس لها فإضافةً إلى ما تم ذكره أعلاه لدينا أدلة مماثلة لممارسات الدولة التركية على الأراضي السورية خلال الأزمة وتحديداً خلال حكم تنظيم الدولة (داعش) للمنطقة الشرقية من سوريا، حيث أورد الدكتور “عمار عبد الرحمن” في الصفحة /11/ من بحثه المعنون بـ (الآثار السورية في ظل الأزمة – التحدي والاستجابة) الصادر عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات عام 2016 بقوله: (حضرت مجموعةٌ مؤلفةٌ من حوالي (200) شخص إلى موقع “ماري” (تل الحريري  قرب الحدود العراقية) وقاموا بتطويق الموقع وشرعوا في أعمال البحث والنبش لأيام وذلك وفق المعلومات الواردة من مصادر المجتمع المحلي هناك والتي بينت أن هذه المجموعات تضمنت أجانب وأتراك أداروا العمليات بتكتم شديد ولم يتمكن أحد من معرفة أي شيء عنها). والدكتور عمار من الأكاديميين السوريين و القامات العلمية المرموقة في علم الآثار على المستوى العالمي وعمل سابقاً في تل جنديرس كرئيس للبعثة السورية وحالياً كبروفيسور في جامعة كونستانس في المانيا.

وعلى ضوء المعلومات المذكورة أعلاه والموثقة لدينا بالأدلة العلمية نستنتج ما يلي:

1ـ اعتبار الاحتلال التركي لمنطقة عفرين كارثة حقيقية بحق التاريخ الانساني بشكلٍ عام وتاريخ المنطقة وسكانها الأصليين بشكلٍ خاص ولا يمكن إزالة الكثير من نتائجه كاسترجاع الواقع الأثري الذي تم تدميره وهدمه في عفرين إلى ما كان عليه وضياعه إلى الأبد، وخاصةً المواقع والتلال غير المنقبة والمساحات التي لم تنقب في المواقع والتلال الأثرية المنقبة كـ (كهف الدودرية وعين دارة وجنديرس والنبي هوري وبراد) والطبقات الأثرية الواقعة أدنى الطبقات التي تم الكشف والتحري فيها.

2ـ عدم القدرة على استرجاع العدد الأكبر من القطع الأثرية المكتشفة نتيجة هذه الحفريات التخريبية لعدم امتلاكنا المعلومات الكافية عن أوصاف هذه القطع وعهودها التي تتشابه في الجغرافيات المجاورة.

3ـ العمل الدؤوب والمستمر للدولة التركية لتحريف وتزوير تاريخ منطقةٍ بعينها (عفرين) ومحاولة خلق بيئةٍ وواقعٍ أثريٍ مغاير للحقيقة التاريخية لتشكيل الأرضية العلمية باعتقادها وإقناع المجتمع الدولي بتنفيذ مشاريعها الاستيطانية وخاصةً محاولة توطين وتثبيت المنحدرين من أصول تركمانية خاصة في منطقة عفرين لعلمها سابقاً بفشل التجارب والمشاريع الاستيطانية في التاريخ الحديث والمعاصر غير المبنية على أسس ودعائم علم الآثار الحديث.

4- في حال فشلت هذه الخطة تكون الدولة التركية قد دمرت واقعاً أثرياً كان بالإمكان البناء عليه وكتابة تاريخ المنطقة بشكلٍ علمي اعتماداً على القرائن والأدلة المادية التي كانت مدفونة في باطن هذه المواقع والتلال الأثرية.

5ـ توجيه ضربة موجعة إلى الاقتصاد الوطني من خلال تدمير المواقع ذات الصبغة العالمية خاصةً والتي كانت اللَّبِنة الأساسية في تطوير الاقتصاد وانتعاشه في المستقبل من خلال صناعة السياحة وتطويرها والتي لا تقل أهميتها عن أهمية البترول بل وتُسمى ببترول القرن الحادي والعشرين دون ضرر، وتركيا تعلم جيداً ماذا تعني تطوير السياحة.

6ـ التأثير على سيكولوجية السكان الأصليين وتحطيم معنوياتهم ودفعهم بشكلٍ قسري إلى تركِ قراهم ومنازلهم تحت ضغط هذه الممارسات.

القانون الدولي ومسؤولية الدولة التركية:

منذ ارتكاب الدولة التركية لجريمتها الأولى بقصف معبد عين دارة وتدميره، وهي تعتمد على سياسة الإنكار بارتكابها للجرائم والانتهاكات التي تحصل بحق السكان الأصليين لمنطقة عفرين السورية وممتلكاتهم العامة والخاصة، وكما قلنا وأوضحنا سابقاً بأن السلطات التركية قامت بتنفيذ جميع ممارساتها على الأراضي السورية وفق مخططات تم الإعداد لها مسبقاً ومنذ بدايات الأزمة السورية، فعلى سبيل المثال تم تسريب أحد التسجيلات الصوتية لاجتماع بين الوزراء والقادة الأتراك وهم يخططون لخلق الحجج المبررة للهجوم على الأراضي السورية وذلك في العام 2014 حيث يبدو بشكلٍ واضحٍ وجلي أن الخطة التركية في موضوع التنصل من مسؤولياتها تجاه القانون الدولي والإفلات من العقوبات الدولية بسبب الانتهاكات الجسيمة بحق السوريين بشكل عام وأهالي عفرين وممتلكاتهم بشكلٍ خاص ستكون مبنية على أساس ادعائها بأنها تدخلت في الأراضي السورية لحماية حدودها وإنشاء منطقة آمنة لحماية السوريين. أما موضوع الانتهاكات والتعديات فهو شأن سوري داخلي لا علاقة لها بذلك، والذين ارتكبوا هذه الانتهاكات بحق المواطنين السوريين وممتلكاتهم هم السوريون أنفسهم من قادة وعناصر فصائل ما يسمى بالجيش الوطني وبالتالي تركيا بريئة من ذلك ويتم ذلك عملياً على أرض الواقع بشكل ظاهري، وتم توثيق ذلك من عدة مؤسسات دولية والدليل عدم ذكر الدولة التركية صراحةً كمسؤولة عن ارتكاب هذه الجرائم في تقاريرها رغم تشديدنا على هذه النقطة وتأكيدنا لهذه المؤسسات بأن هؤلاء مجموعات مرتزقة ومنظمة من قبل الاستخبارات التركية يأتمرون بأوامرها، والدليل ارسالهم خارج الحدود السورية لخوض معارك أرادتها تركيا وبلدهم يئن من الحرب والفوضى والاضطرابات منذ أكثر من عشر سنوات.

على ضوء هذه الواقع المفروض بالقوة يمكننا التحضير والعمل على الأدلة التي تُحمِّل الدولة التركية مسؤولية ارتكاب هذه الجرائم التي ترقى إلى جرائم حرب كجهة محرضة وموجهة لهذه الفصائل الإرهابية من الجنسية السورية والإيعاز لها بارتكاب هذه الانتهاكات وأحياناً الجهة المنفذة مباشرةً لهذه الانتهاكات، ولمعالجة هذا الأمر وفق العهود والمواثيق الدولية يمكن التركيز والعمل بشكل جدي على الأمور التالية ودراستها:

1ـ إثبات الوجود التركي على الأراضي السورية كدولة احتلال بموجب القوانين الدولية بالتركيز على المظاهر التي تدل على ذلك وتتفق مع تعريف مفهوم الاحتلال في القانون الدولي ولعل من أهم هذه المظاهر:

أـ الوجود العسكري المتكامل على الأراضي السورية.

ب ـ رفع الأعلام التركية على كافة المؤسسات المدنية بشكلٍ خاص.

ج ـ فرض العملة التركية وسحب العملة السورية من المناطق السورية الواقعة تحت سيطرتها.

دـ فرض اللغة التركية في المدراس والمعاهد والجامعات وعلى البطاقات الشخصية.

هـ ـ فرضها لنظام تعليمي وتربوي ينسجم مع أهدافها الرامية إلى التطهير الثقافي.

وـ إشرافها بشكل مباشر على عمليات التغيير الديموغرافي في منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية وتهجير سكانها الأصليين بشكل قسري عبر إعلان رئيسها منذ بداية الحرب بقوله (إنهم سيرجعون الأرض إلى أصحابها الحقيقيين).

دـ إجبار سلطات الاحتلال بشكلٍ مباشر وغير مباشر على ترك مكون رئيسي من أبناء منطقة عفرين دينهم وهو المكون الأيزيدي من خلال هدم مقدساتهم وأماكن عبادتهم ومنعهم من أداء طقوسهم الدينية التي حافظوا عليها جيلاً عن جيل.

2ـ استهداف المواقع الأثرية بشكلٍ مباشر ومتعمد من قبل طائراتها أثناء الحرب التركية على منطقة عفرين والتي لم تكن تشكل أية خطورة على أمنها وأمن جيشها وعليها أن تثبت عكس ذلك.

3ـ تنفيذها لبعض المشاريع في المواقع الأثرية والثقافية بشكلٍ يتعارض مع الاتفاقات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي الإنساني كمشروع ترميم مجمع المدفن الهرمي في سيروس “النبي هوري” وعمليات التزوير والتحريف في المسجد العثماني المنفذة من خلال شركاتها وبإشرافها المباشر وتحت حماية علمها وإعلانها عن ذلك بشكلٍ صريح عبر تصريحات مسؤوليها.

4ـ تدمير المواقع الأثرية وحفرها بشكلٍ غير شرعي بعد الاحتلال وتحويلها إلى قواعد ومواقع عسكرية خارج إطار العمليات العسكرية و أثناء فترة السلم والأمان الذي أعلنته تركيا على لسان رئيسها وقادتها، وعلى الدولة التركية تفسير الضرورات الموجبة لتدمير هذه المواقع الأثرية والثقافية أثناء فترة السلم المزعومة في منطقة عفرين.

إن جميع النقاط المذكورة أعلاه جديرة بالاهتمام والدراسة والعمل لتناقضها مع القوانين الدولية واعتبارها نقاط ضعف في المخطط التركي ولعبتها الرامية الى تضليل وخداع الرأي العام الدولي وإيهامه بأن ظاهرة الاحتلال التركي جاءت لصالح السوريين وحمايتهم.

ومن الجدير بالذكر أنه تم تشكيل لجنة تحضيرية لعقد سلسلة من الندوات والمحاضرات ضمن إطار هذه الدراسة.

إعداد: صلاح سينو الرئاسة المشتركة لمديرية الآثار في إقليم عفرين

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق