مانشيتمقالات

العلاقات الفرنسية الكردية بين العداوة والابتزاز

محمد ايبش ــ

في خضم الحرب العالمية الأولى؛ جرى اتفاق بين القوى الثلاث التي خرجت من الحرب منتصرة “بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية”، وبموجب تلك الاتفاقية تم وضع خارطة لمنطقة الشرق الأوسط وحددت مناطق النفوذ، ولم تتبلور بنود الاتفاق إلا بعدما كشفت عنها الحكومة البلشفية؛ بينما كانت شعوب المنطقة غائبة عن أي دور في تحديد مستقبلها، ومنهم الشعب الكردي الذي حاول الفرنسيون استمالته إلى جانبه وخاصة في سوريا وذلك أثناء الثورة السورية الكبرى عام ١٩٢٥، فكان لأبناء الشعب الكردي الدور الأكبر في نجاح الثورة ودحر الاستعمار الفرنسي،  فلقد رفع الدكتور عبد القادر الشهبندر شعار الكفاح المسلح على عكس ما طرحته الكتلة الوطنية وهي سياسة التفاهم النزيه مع سلطة الانتداب، بينما اشتعلت نار الثورة وبدأت من عفرين على يد “محو ايب شاشو” وبالتعاون والتنسيق مع المناضل “ابراهيم سليمان آغا هنانو” في الشمال السوري، وإثر اندلاع شرارة الثورة لاحقت سلطات الاحتلال الفرنسي الدكتور “عبد القادر الشهبندر” الذي اعتبر العقل المفكر للثورة؛ مما اضطر إلى اللجوء مع رفاقه إلى السويداء والاتفاق مع سلطان باشا الأطرش ليكون القائد العام للثورة السورية، كما كان للثائر “أحمد الملا” ــ وهو خريج جامعة السوربون كلية الحقوق ــ دوراً كبيراً في قيادة النشاط السياسي والعسكري في دمشق وغوطتها بالتنسيق مع الأخوة العرب في مرحلة الثورة، وكان على علاقة حميمة بالدكتور “عبد القادر الشهبندر” وساهم في التنسيق بين ثورة الشمال بقيادة “إبراهيم هنانو” وبقية زعماء الكُرد في الداخل السوري (في حمص وتل كلخ بقيادة عبد الرزاق الدندشي وهو من العشيرة الشخانية) وثورة حماة بقيادة “محمود البرازي” وكان من أهم الداعمين للثورة السورية الكبرى بالمال والرجال والسلاح، ولم يغيب دور الكرد في اللاذقية فلقد كان للمحامي “نور الدين بازيدو” حيث شارك جميع قرى جبل الأكراد في اللاذقية، وهنا لا ننسى دور الشباب الكُرد في المظاهرات المناهضة للاستعمار الفرنسي أمثال “خالد بكداش”  والطالب “علي عبد الوهاب بظوظو” وهو من أحد مؤسسي اتحاد طلاب سوريا إلى جانب ذلك ساهم في تأسيس فوج كردستان الكشفي لنادي كردستان الكشفي في دمشق عام ١٩٣٠ وذلك مع القائد الكشفي “محمد صالح ظاظا” والدكتور “خالد قوطرش”، كما حمل الأستاذ “علي بوظو” عدة حقائب وزارية في خمسينيات القرن الماضي ناهيك عن المعارك التي دارت بين الفرنسيين وأبناء شعبنا في الجزيرة، ومن أهم المعارك هي مقاومة “بيندور” في وجه الاحتلال الفرنسي.

لذلك، وحتى أن نصل إلى الهدف وإيضاح  دور الكُرد في مقارعة الاحتلال؛ كان لا بد من البدء بهذه المقدمة التي تحمل في طياتها العديد من الرسائل، أولها دور المثقف الكردي في إثبات الهوية الكردية إلى جانب ذلك الهوية الوطنية السورية، وثانيها رفض الاحتلال وعدم الانجرار إلى وعودهم المزيفة، فلقد كان قراءتهم لسياسة الاستعمار الفرنسي باعتباره الشريك في تقسيم كردستان مع البريطانيين ورسم خارطة المنطقة قراءة دقيقة، لذلك كان مسعى القادة الكرد إثبات الهوية التي تمت إنكارها في لوزان من قبل القوى الاستعمارية، وهنا يجب أن ندرك تماماً ان السياسة الفرنسية لا تقل خطورة عن سياسات بقية القوى المهيمنة على السياسة الدولية، ويجب أن لا يغيب عن ذهننا المؤامرة الدولية من قبل الحداثة الرأسمالية وفرنسا كانت أحد أركانها الأساسية، فالجرائم التي تُرتكب بحق الشعب الكردي وشعوب المنطقة لم تكن فرنسا بعيدة عنها، فاغتيال كل من المناضلة “ساكينة جانسيز وفيدان دوغان وليلى شايلامز”  في باريس على يد الاستخبارات التركية لا تستطيع فرنسا أن تبرئ موقفها من تلك الجريمة؛ فلقد جاءت تلك الجريمة بالتزامن مع  قيام وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة بمحاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم داعش والذي بات يهدد الأمن والسلام العالمي مع إدراك فرنسا أن تركيا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تحتض المجموعات الإرهابية بما فيها داعش. فبدلا من أن تقوم فرنسا بكشف الجريمة وتقديم الجاني إلى العدالة إلا إننا شاهدنا عكس ذلك، والأنكى من هذا وذاك قدمت طلب إلى الحكومة البلجيكية لمداهمة فضائية stêrk tv  و Mediya xeber، فإلى أي أساس قانوني يستند الطلب الفرنسي؟ ومن هنا نوجه السؤال التالي: ما هو الخطر الذي يشكله هذين المنبرين الإعلاميين على أمن فرنسا أو أي دولة أوروبية أخرى؟ بالطبع لن يكون هناك جواب، ولكن على ما يبدو أن عاصمة الديمقراطية باريس والتي تم فيها صياغة أول عقد اجتماعي على يد المفكر والفيلسوف “جان جاك روسو” قد تخلت عن قيمها الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير، وتخالف قوانينها مقابل إرضاء تركيا في سبيل مصالحها الضيقة، وهي تدرك أكثر من غيرها بأن النظام التركي الإخواني بات يهدد الأمن والسلام العالمي والإقليمي نتيجة احتضانها الإرهاب والتطرف، والشيء اللافت للنظر هو ازدواجية المعايير التي تمارسها فرنسا بخصوص قضية الشعب الكردي في جزء دون الآخر، فالشعب الكردي واحد وقضيته واحدة، بينما ما نلمسه في واقع الأمر بأن قرارهم القديم والمتفق عليه مع شريكه البريطاني والذي مفاده: “نؤيدهم في جزء ونحاربهم في الجزء الآخر” وحسب المصلحة والحالة التي أفرزت في لوزان مازالت سارية المفعول وعلى هذا الأساس جعلوا كردستان مستعمرة دولية عملياً وملحقة بالدول الأربعة شكلياً في إطار الممارسات اللاإنسانية من قبل الأنظمة التي ألحقت بها جغرافية كردستان، ولكن العداء المعلن من قبل نظام الهيمنة العالمية وفرنسا جزء منها لقضية الشعب الكردي والممثلة بحركة حرية كردستان وقائدها عبد الله اوجلان دليل واضح بأن رسالتهم  باتت واضحة كوضح الشمس وهي أن  فرنسا وشركاءها الغربيين لا يريدون أن يكون في منطقة الشرق الأوسط لا شعب حر ولا إرادة  حرة ولا إعلام حر، لذلك الهدف والغاية هو العداء والابتزاز ولكن اعتقد في ظل التحولات الراهنة لن تدوم سياسات العداء والابتزاز كما خططوا لها في لوزان المشروم.

زر الذهاب إلى الأعلى