ثقافةمانشيت

الذكرى الـ 31 لرحيل أيقونة الغناء الكردي “محمد شيخو”

“محمد شيخو”، عندما يُذكر اسم هذا الفنان، يجتمع في الأذهان كل من الروح الوطنية، الاحساس المرهف والخامة الجبارة التي تفرض عليك التأثر بها، من روعة ما تحمله من معانٍ بين طياتها، وتبعث في النفس مشاعر لا توصف.

فعند استماعك لإحدى أغانيه، يخرج بك من عالمك إلى عالمٍ خاصٍ به، حيث يراود إلى الروح الكثير من المشاعر الوطنية والارتباط بالقضية والأرض عند سماع أغنية قومية، ويشعر المرء بخوالج رقيقة عندما تسمع أغنية عن الحب له.

يا لهذا الصوت الكردي العذب، الذي لم ولن يتكرر مهما خُلقت خامات من بعده، حنجرته الذهبية نادرة وبعيدة عن التقليد أو التشبه بأحد، هو خامة وصوت فريد من نوعه ومستقل بذاته.

أنامل محمد شيخو عزفت على مدار سنوات طويلة أعذب الألحان وأرق الكلمات، وراحت تجوب قلوب الصغير والكبير، وإلى الآن ما زالت أغانيه خالدة في كل بيت كردي، فصوته مرتبط بالأصالة والعراقة والخلود، صوت لا يموت ولا يندثر مهما مر على رحيله من الوقت.

يسمعه ويحبه الصغير قبل الكبير، يخترق صوته وألحانه قلوب جميع من سمعه. الصوت المنبعث من الإنسانية والتشبث بالأرض.

وكان لا بد لنا في ذكرى وفاته أن نستذكر صاحب الصوت الاستثنائي “محمد شيخو”.

محمد صالح شيخموس أحمد المعروف بـ ”محمد شيخو” أو “بافي فلك”، أحد أكبر الفنانين الكرد، ولد لعائلة كردية وطنية عام 1948في قرية خجوكي, ومنذ الصغر ظهرت موهبة الغناء لديه، حيث تعلم العزف على الطمبور على يد معلمه فاروق الحسيني, درس الابتدائية في قريته “خجوكي”، والإعدادية بمدينة قامشلو.

في عام 1965 تعرض لمرض وأصيبت عيناه بالنقص, ولهذا للسبب وترك الدراسة وعاد إلى القرية للعمل في الزراعة مع والديه.

ولترحاله تعرف على (خليل يزيدي وحليم حسو), حيثُ رافقهم إلى العديدِ من الحفلات آنذاك, وقرأ لكبار شُعراء الكرد, وخاصةً (جكرخوين), وفي عام 1970 سافر إلى بيروت لدراسة الموسيقا وقام بإحياء الحفلات والأمسيات الغنائية برفقة (سعيد يوسف، محمود عزيز شاكر ورمضان أومري), وحضر إحدى حفلاته رئيس الوزراء اللبناني (صائب سلام), وإثر ذلك تعرف على العديد من الفنانين اللبنانيين الكبار أمثال: “نصري شمس الدين، فيروز، وديع الصافي، عاصي الرحباني وسميرة توفيق..”.

وذهب إلى بغداد في عام 1972 لأجل إحياءِ حفلة فنية, وقام بزيارة القسم الكردي في إذاعة بغداد حيث بُثت بعضُ أغانيه بعد زيارته لها، فاشتهر بين كرد باشور, وقام بتقديمِ برنامجٍ في إذاعة كركوك والتي قامت بدورها بعرض أغانيه أيضاً, وتعرف على (صائب, كلبهار، تحسين طه، محمد عارف جزيري، عيسى برواري).

وفي ذلك الحين كرّمه ملا مصطفى البارزاني لما تحمله أغانيه من مضامين قومية ووطنية، ثم عاد إلى سوريا عام 1974 فسجل مجموعةً من أغانيه في دمشق, وبسببِ أغانيهِ الوطنية تعرضَ للضغطِ على يد السلطات الأمنية, واضطر للهرب إلى روجهلاتي كردستان وأقام في معسكر “ربت” فأصبح لاجئاً هناك وشكَّل فرقة فنية من جرحى الحرب وشباب ذلك المعسكر.

بعدها زار مدينةَ مهاباد وسجَّل أغنيته “أي فلك” والعشرات من الكاسيتات ولكن لم تصل إلى يد الكرد في سوريا بسبب إتلافها من قبل المخابرات السورية والتركية آنذاك, إلا كاسيتاً واحداً من مهاباد منبع دماء الشهداء.

ومرةً أخرى وللسبب نفسه تم نفيهُ من قبل الرئيس الإيراني (الخميني) إلى مكانٍ بعيدٍ على حدود أذربيجان، وتعرّف هناكَ على فتاةٍ تُدعى “نسرين حسين”، كانت إحدى طالِباته, أحبها وأُغرِمَ بها، فغنى لها أغنيته المشهورة “نسرين”، ثم تزوجها رغم المعوقات الأمنية التي كانت السلطات الإيرانية تسببها له, فأنجب منها أربعة أولاد: (فلك، ابراهيم، بروسك وبيكس).

بعدها عاد إلى سوريا عام 1983 عند صدور العفو عنه, واستقر في مدينة قامشلو وأسس فرقة موسيقية, وسُجِلت آخرُ أعماله عام 1986 وبعدها فتح محل تسجيلات باسم “فلك”.

لكن السلطات الأمنية تدخلت مجدداً وأغلقت محله، لكن رغم كل ذلك استمر في مسيرته الفنية، واستطاع تشكيل فرقة فنية للأطفال الكرد بالإضافة إلى الفنانين ليعلمهم الأغنية الكردية على أصولها.

وإثرَ مرض مُفاجئ رحلَ الفنان محمد شيخو وهو ما يزال في عنفوان عطائه في الـ 9 من آذار عام 1989، ووارى الثرى في مقبرة الهلالية بمشاركة حشد شعبي للجماهير الكردية في مدينة قامشلو, وبمراسيمٍ تُليقُ بمكانتهِ كفنانٍ أفنى عُمرهُ في خدمة فنهِ وشعبهِ ووطنه, وحسب وصيته وعلى صدى آخر أغانيه والتي تقول:

(Gava ez mirim  gelî zindiya min ne veşêrin wekî hemiya).

رحل وترك خلفه المئات من الأغاني الوطنية التي لا تزال صداها في كل بيتٍ كرديّ. “محمد شيخو” هو الإرث الغنائي والثقافي الذي لا يزول بل نرتبط كل يوم به أكثر، ففي ذكرى وفاته لا يسعنا سوى أن نتمنى الرحمة والخلود لصاحب الصوت العظيم، الذي كان ولا يزال أيقونة تحتذى بها من قبل الجميع.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق