مقالات

الخطر المحدق بأمن شمال وشرق سوريا

سليمان أبو بكر

تمر شمال وشرق سوريا بمرحلة حساسة جداً وانعطافاً قد يغير ملامح المنطقة بمرمتها، الحرب التركية على المنطقة ومحاولات الإبادة التي تقودها الفاشية التركية ضد الشعب الكردي الذي شكل طليعة المقاومة في سوريا وفي عموم الشرق الأوسط والعالم ليس فقط مقاومة المحتل وانما مقاومة كل الإيديولوجيات السوداء والأنظمة الاستبدادية .

في سوريا ضحى الشعب الكردي بآلاف الشهداء في سبيل إعلاء الشأن الإنساني والحفاظ على الأنسان وقيمه كمقدمة من مقدمات الثورة على عكس بقية لقوى المتحاربة في سوريا وفي الشرق الأوسط عموماً.

من المعلوم أن ثورة روج آفا والتي مضت عليها عشرة أعوام حققت الكثير من الإنجازات على الصعيد الإنساني والمجتمعي في خضم الصراع الدموي القائم في سوريا والمنطقة والذي تسيره أنظمة الشر وأعداء الإنسانية, استطاع ثوار هذه الثورة أن يتجاوز كل العوائق والصعوبات وأن يبنوا بنيان هذه الثورة ومكاسبها بدمائهم ، ليس فقط من أجل قضية شعب بل من أجل قضية إنسانية وهي الحرية والديمقراطية والحفاظ على الكرامة الإنسانية التي انتهكت وتنتهك كل يوم.

على النقيض كانت الأطراف المتصارعة  سواء المجموعات التي سمت نفسها بالثورية ظاهرياً وأخذت منحى الارهاب  والشوفينية وأصبحت اليوم مجرد أداة بيد الاحتلال القوى المعادية للإنسانية لنصل لنتيجة مفادها أن محور التغيير في سوريا وفي الشرق الأوسط  تمثلت في الإيديولوجيا التي بنت الإدارة الذاتية كنموذج تعددي ديمقراطي إنساني في المقام الأول.

بالعودة إلى جذور الفكر والإيديولوجيا التي أسست الإدارة الذاتية وأوصلتها إلى هذه المرحلة التاريخية والتي نعيش في خضم تقلباتها نجد بأنها انبثقت من أحشاء المعاناة والأزمات التي عايشتها المنطقة وتعايشها اليوم بكل حيثياتها وتحديد كردستان بجميع مكوناتها وشعوبها، الكرد وعبر التاريخي لم يكنوا العداء لأي شعب أو دين أو قوى دخيلة وحتى للسلطة التي حكمتهم وارتكبت بحقهم المجازر والانتهاكات وسلبت منهم كل حقوقهم  وبالرغم من ذلك لم يذهب الكرد إلى التطرف في مقارعتهم للسلطة، على العكس فمع كل ثورة كردية كانت حملات الإبادة وأعواد المشانق تنظرهم، في تركيا وفي شمال كردستان على وجه التحديد ونحن في نهاية حقبة اتفاقية لوزان، واجهت السلطات التركية والأنظمة التي حكمت تركيا بشقيها الديني والقومي الكرد بالحديد والنار ولا زالت تمارس كل اشكال الإبادة والأجرام بحقهم لكن لم نرى كردياً قد نحر جندياً تركيا أو مار بحقه التعذيب، لم نرى كردياً أحرق منزل تركي أو شرد عائلته، بالمقابل كان الرد التركي على الكرد ي فظيعاً، دون الدخول في التفاصيل رأس العين وعفرين مثالان واضحان وهما خارج حدود لوزان..!.

لا شك من عان ويعاني من الظلم والاستبداد لا يمكن أن يكون مستبداً أو ظالماً، في شمال وشرق سوريا وفي روج آفا الكرد والعرب والسريان والتركمان  مسلمين ومسيحين وايزيديين ولا دينين جميعهم متساوون تحت سقف ظل الإدارة الذاتية ، وهذا مكسب تاريخي لشعوب المنطقة  وللإنسانية جمعاء  في الوقت الذي يحارب كل قوى الشر هذه الإدارة تزداد الترابط بين مكونات هذه الإدارة، وتتصاعد وتيرة المقاومة وهذا لم يأتي من فراغ كما أسلفنا أنما من فكر وايديولوجية  ثورية حقيقية أدخلت الثورة بكل مفاهيمها في بينة المجتمع وفي خدمة المجتمع  وهنا أركز على الجانب الاجتماعي والإنساني كونه الجانب الأسمى ونتائجه هي الضمان لعيش حياة كريمة قيمية أي مبنية على القيم التي أُلفت لأجلها مئات الآلاف من المجلدات والكتب، وهذا الجانب هو الاكثر تأثيراً في حياة المجتمعات لذا تحاربه الانظمة وأصحاب الفكر التكفير الذي لا يرى في التعددية والمساوة والديمقراطية  تمرداً ضد سلطته وهيمنته.

وتأتي الحرب الشرسة التي يشنها النظام الطوراني التركي وكل مجاميع الارهاب التكفيرية العنصرية ضد الإدارة الذاتية وضد الشعب الكردي  ضمن هذا الإطار لذا فكل السياسات التركية  الداخلية والخارجية مبينة على هذا الأساس أي أن نظام أردوغان مستعد لأن يدفع بتركيا وبالشعب التركي إلى الهاوية في سبيل القضاء على فكر وإيديولوجية الإدارة الذاتية وتجيش لأجلها كل أساليب الحرب الخاصة.

ما أود الإشارة إليه أن محاولة أردوغان بشن عملية عسكرية جديدة على مناطق الإدارة الذاتية بالرغم من تصادمها بعدة لاءات من حلفائه ونظرائه  لن تتوقف كون انتصار الإدارة الذاتية ومكوناته في هذه الحرب تعني إفناء ونهاية لأيدولوجية الشر التي يتبناها نظام الفاشية التركية.

أسلوب التفكير والسلوك الذي تنتهجه الأنظمة الشمولية التي تعادي الشعوب والفكر الديمقراطي مرتبط تماماً بسياسات قوى الهيمنة العالمية المتمثلة  بأمريكا وروسيا وتضعها في خدمة أجنداتها ومصالحها العابرة للحدود و الشعوب، النظام التركي والإيراني والسوري أدوات طيعة بيد تلك القوى وعلى أساس سياسات تلك الأنظمة تحدد قوى الهيمنة مسار سياساتها في الشرق الأوسط والعالم.

بالعودة إلى مواقف تلك القوى من الاحتلال التركي وسياسات تركيا تجاه أبناء شمال وشرق سوريا و تجاه عموم الأزمة السورية نجد بأن مواقفها تتطابق سياساتها الاستراتيجية وهي الابقاء على الفوضى والصراع ضمن حدود ترسمها تلك القوى، فالموقف الأمريكي تجاه الاحتلال التركي لشمال وشرق سوريا وأن كان فيه شيء من الردع إلا أنها ليست حازمة في ردع تركيا عن نتهاج سياساتها وشن حربها على الإدارة الذاتية ومكوناتها الأمر كذلك بالنسبة لموقفها من حل الأزمة السورية، كذلك الأمر بالنسبة للسياسة الروسية، والازدواجية واضحة  في سياسة القوتين تجاه الإدارة الذاتية وتجاه الملف السوري، لذا لا يمكن الرهان على مواقف تلك القوى، وأعتقد أن قمة طهران التي جمعت رؤساء ايران وروسيا وتركيا مثال واضح على الدور الذي يلعبه كل طرف، على الجانب الأخر مواقف الولايات المتحدة الأمريكية ليست ببعيدة عن موقف روسيا فكل طرف يحاول استخدام ايران وتركيا لتنفيذ جملة من السياسات التي تخدم مصالحها ليس فقط على مستوى شمال سوريا إنما على مستوى الشرق الأوسط والعالم ككل.

ما أود القول أن الإدارة الذاتية ومكوناتها لم تعد تمثل جغرافية بحد ذاتها بل تمثل ثورة فكرية ايديولوجية مناهضة للدكتاتورية والاستبداد والتطرف والفوضى، أنها ثورة للسلام والحرية والديمقراطية وهذا الأمر بات يشكل عائق كبيراً أمام سياسات تلك الأنظمة والقوى التي تحاول أضعاف الإدارة الذاتية وقولبتها ضمن قوالب سياساتها مع إبقائها على الفوضى أيضاً ضمن إطار تحددها سياسات قوى الهيمنة.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق