مقالات

الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا والدبلوماسية العالمية

محمد أمين عليكو

الإدارة الذاتية، الفكرة المقتبسة من الأمة الديمقراطية التي طرحها (القائد عبدالله أوجلان)، تترجم العملية الديمقراطية إلى ممارسة مباشرة من قبل الشعب، وتعتبر الإدارة الذاتية الهيكل التنظيمي الملموس والجسد للنظام الديمقراطي الجديد، وتعد نموذجاً بديلا للأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط المتعددة الأعراق والأجناس، وهي نظام مخالف لما تتضمنها الإدارة المركزية، وتتبع اللامركزية في جميع أطر عملها، وتستند في عملها إلى بناء المؤسسات المدنية، وأصغر خلية إدارية فيها هي “الكومونات” التي تهدف إلى إدارة المجتمع نفسه بنفسه في إطار أمة تعددية ديمقراطية.

لعبت الإدارة الذاتية دوراً فعالاً في إدارة روج آفا من حيث تأمين الحماية والخدمات اليومية وتأمين المتطلبات المعيشية في ظل سوريا مدمرة كلياً وتشرذم أزمتها إلى المجهول، ولم يتوقف عمل الإدارة الذاتية عند الشؤون الداخلية لروج آفا فقط، وإنما عملت نحو تطوير العلاقات الدولية والتأثير على السياسات العامة للدول، ففي ظل التغيرات الدولية الراهنة والعواصف التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط استطاعت هذه الإدارة ورغم صغر عمرها أن ترتقي على سلم العلاقات الدبلوماسية، وتحولت إلى رقم صعب في أي حل أو نقاش يدور في فلك الأزمة السورية، وغيابها عن أي محفل دولي يعني فشل الحل وتشابك العقدة أكثر من سابقاتها، الدليل على ذلك هو ما آلت إليه مؤتمرات  “جنيف، أستانا، سوتشي، والمنصات الأخرى” وتأجيلها المتكرر، ويعود السبب في ذلك إلى غياب القوى التي تمثل الديمقراطية وإرادة الشعب السوري بجميع مكوناته، ومن حارب الإرهاب الذي عجزت عن محاربته القوى الدولية بنفسها.

كما هو معروف يعتبر الشرق الأوسط من أهم المواقع الاستراتيجية في العالم والأكثر نزاعاً أيضاً، وتتمحور معظم أسباب تأزم الوضع فيه وضجيج حروبه حول الثروات الطبيعية والمناطق الحدودية التي رُسمت إبان الحربين العالميتين؛ بالإضافة إلى النزاع العربي الإسرائيلي والمذهبي (السني – الشيعي)، وكذلك ساهم التدخل الخارجي في زيادة التوتر في الشرق الأوسط ولعب دوراً أساسياً في ظهور الجماعات الإرهابية فيه، وبدعم من دول إقليمية وعلى رأسها تركيا بشكل مباشر أو غير مباشر، كما هو الحال مع القاعدة وداعش ومسمَّيَاته الأخرى الأكثر فتكاً وإرهاباً، وتتلقى دعماً مباشراً من تركيا وقطر.

من جانب آخر أكدت إحصائيات المراكز الاستراتيجية بأن كل دولة في الشرق الأوسط دخلت في حرب لم يكن إلا من خلال تدخل قوى خارجية في شؤون دولة جارة لها، كما تفعل ايران مع الحوثيين في اليمن ومع حزب الله في لبنان ومع الحشد الشعبي في العراق، ودعم المعارضة في البحرين، والحرس الثوري في سوريا، وكل هذا أدى إلى خلق بيئة متوترة وغير مستقرة في الشرق الأوسط. وتقديم هذا الدعم المكثف للفصائل الإرهابية كسلاح وورقة ضغط بغية تقديم الطرف الآخر تنازلات وامتيازات للقوى الدخيلة إرضاء لمصالحهم دون خدمة الشعوب، كما الحال مع الحلفين (الأميركي – الروسي)، مما يؤدي إلى تداخل وتشابك في العلاقات بين هذه الدول بشكل غير أخلاقي وبعيد كل البعد عن القيم الانسانية. وتُغيَر هذه العلاقات حتى في قواعد الاشتباكات المعروفة، ويبدو ذلك جلياً في سعي تركيا الى احتلال مقاطعة عفرين، ومدنية تل ابيض وسركانية، ففي حقيقة الأمر هي تدافع عن شركائها كأحرار الشام وجبهة النصرة وأخواتها، وتحارب قوات سوريا الديمقراطية التي تتكون من جميع مكونات المنطقة بالإضافة إلى عدة فصائل من مناطق الشهباء، بمعنى آخر تتكون قَسَد QSD من (الكرد، العرب، التركمان، السريان)، إذاً الموضوع لا يتعلق بالأمن القومي للدولة التركية أو ما شابه ذلك من كلام؛ هو فقط نوع من الإفلاس السياسي والأخلاقي الذي تعيشه بعض الدول القومية، وباتت مكونات عموم سوريا ترى في نموذج الإدارة الذاتية في روج آفا وما تحمله من قيم التعايش السلمي لكل مكونات المنطقة وإيلاء الأهمية للدور الحقيقي للمرأة والشبيبة في إدارة المجتمع والحفاظ على الطبيعة وقيم الانسانية حلاً لكافة قضاياها. وهذه الحقيقة للإدارة الذاتية ونموذج العيش وقبول الآخر أدى إلى أن يُطالب النظام التركي المجتمع الدولي كي يختار بين إمَّا تركيا أو الادارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، ومن هنا يتضح وزن الحقيقة السياسية للإدارة الذاتية في المجتمع الدولي، والتي لم تأتِ من فراغ بل نتيجة التضحيات التي قدمها أبناء المنطقة في جبهات القتال ومن خلال جولاتها الدبلوماسية في العالم، والتي أثمرت عن شرح حقيقي لقضية الشعب الكردي وشعوب شمال وشرق سوريا وفضحت سياسات الاحتلال التركي في سوريا، وكما استطاعت الإدارة الذاتية من خلال سياستها أن تحافظ على المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية بالرغم من إمكانياتها البسيطة، وأصبحت موضع الاحترام من قبل شعوب العالم والمجتمع الدولي.

من ناحية أخرى إن انجازات الادارة الذاتية الديمقراطية لم تتوَج بعد بالاعتراف الرسمي من قبل المجتمع الدولي ككل، ففي بعض الأحيان هذا الاعتراف الدولي مقتصر على محاربة قوات سوريا الديمقراطية  لداعش وبعض الزيارات لشخصيات دولية الى مقاطعات شمال وشرق سوريا، لذا على الادارة الذاتية العمل والسعي للحصول على هذا الاعتراف من قبل المجتمع الدولي، الذي من شأنه أن يدعم النهج الثالث الذي سار عليه هذه الإدارة منذ بداية الثورة السورية في المحافل الدولية والذي برهن فاعليته على أرض الواقع.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق