مانشيتمقالات

الأهمية الموضوعية لخيار الكونفدرالية الديمقراطية والدولة اللامركزية

المهندس. محمد عيسى ــ

يتفق البحث؛ على أنه من أهم وظائف الدولة “أية دولة” هي ضمان السلم والاستقرار في المجتمع والعمل أيضاً على كبح وامتصاص التوترات الاجتماعية التي قد تحصل في المجتمع الواقع تحت نفوذها، وذلك بصرف النظر عن الهوية الاجتماعية والطبقية لتلك الدولة؛ الأمر الذي يعني أن الدولة حتى تقوم بهذه الوظيفة وحتى تُسمَّى دولة يستدعي أن يتوفر لها شرط الجغرافيا البشرية (الأرض والشعب) الذي يعيش على هذه الأرض، وشرط السلطة،

وللدول تصنيفات عديدة، بعضها بحسب العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المتحكمة بنظامها الاقتصادي، فيقال مثلاً: دولة إقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية.

أو بحسب مستوى الحريات التي يتيحها نظام الحكم الذي تتبناه هذه الدولة، فيقال: دولة ديمقراطية؛ عندما يفسح نظامها السياسي بتداول السلطة عن طريق الانتخابات وبموجب النتائج التي تسفر عن صناديق الاقتراع. أو، دولة ديكتاتورية، حينما يتفرد شخص ((رئيس أو ملك)) أو حزب أو عائلة بالتحكم بتقاليد السلطة في الدولة، ثم هناك نموذج الدولة المدنية التي يحظى فيها المجتمع المدني ((الأحزاب والنقابات ومؤسسات الإعلام والصحافة وهيئات الرعاية الاجتماعية والثقافية وحُماة البيئة)) بنفوذ واسع، وهناك التصنيف الذي يقول بالدولة الدينية أو الأيديولوجية العقائدية ((قومية، دينية إسلامية، دينية يهودية، شيوعية)).

وفي هذا النمط تسود أو تُفرَض القيم الدينية أو العقائدية والمفاهيم الثقافية التي تخدمها دون غيرها في جميع مفاصل الدولة والمجتمع على نحو تصبح فيه تعاليم الدين أو معايير العقيدة أو القومية الخاصة بأحد الأعراق أو المذاهب النافذة، وشروطها وضوابطها هي المظلة المهيمنة في البناء الفوقي للمجتمع برمته وبما يتطلب التزاماً قسرياً من قبل المكونات والأطراف الأقل نفوذاً بتبني مفاهيم وقيم وبرامج الفئات النافذة. وثمة نموذج يحمل خصائص مركبة وتجتمع فيه أكثر من سمة واحدة، وهو النموذج الأخطر والأكثر تعارضاً مع مصالح الشعب والمجتمع وأكثرها حملاً للأمراض وعوامل الأمراض والاحتقان والمُعبِّر الأشد عن غياب العدالة الاجتماعية ونشر الفساد والإفساد وإنتاج الحروب الأهلية وتهميش الكفاءات الوطنية، كما يُعد الأكثر تخلفاً وبُعداً عن روح العصر، وهو ما يكثر انتشاره في منطقتنا…إنه نموذج الدولة الشمولية الدينية او القومية  بآن واحد والمركزية؛ بل شديدة المركزية في الغالب  الاستبدادية التي تحتكر فيها الطُّغَمُ الحاكمة “الماء والهواء والموارد وتفسير التاريخ ورسم المستقبل…إلخ”. ووحدها من تعرف الطريق إلى مصالح الشعب والوطن لأنها تعرف كل شيء وتحتكر كل أشكال المعرفة من الفنون والشعر والموسيقا وشكل دستور البلاد إلى النشيد الوطني …فهذا النموذج للدولة الشاملة التي تحمل بنفس الوقت لبوساً دينياً وآخر قومياً ثم حزبياً عقائدياً؛ هو عينه النمط المستحكم في بلدان الشرق الأوسط طيلة ما يقرب من ثمانية عقود من الزمن، وهو عينه النظام الاجتماعي الذي يتماهى مع “وظيفة الدولة” التي اختطفها (الطُّغَم الحاكمة) والمسؤولة عن فشلها في إنجاز أي من مهامها.

ووفقاً لكل مساطر القياس هو ذاته الذي حسم أن طالع السوريين كان سيئاً بما فيه الكفاية في العقود الستة الماضية حين تعايشوا مع (النظام الاجتماعي) بكل نواقصه وأمراضه والتي أدت في النهاية إلى انفجاره؛ مُخَلِّفاً المعضلة السورية التي باتت حديث العالم ومازالت تتداعى فصولاً منذ ثلاث عشرة عاماً وإلى الآن.

وحيال ذلك؛ سيكون من بديهيات التفكير السليم، التطلع نحو بدائل للشكل القائم المأزوم في بنيته، والاقتداء بتجارب الدول التي عانت من ظروف مماثلة ونجحت في تجاوز أزماتها، وعلى هذا المبدأ  ووفقاً لهذه السكة، لا شيء أفعل من الطريق الموصل إلى دولة العلمنة “المدنية الديمقراطية” المتشكلة على قاعدة الكونفدرالية بين الأقاليم والمقاطعات، أما لماذا هو الطريق الأنجع؛ فلأن كل الشعوب والدول التي قطعت مسافة هامة على طريق التطور والحداثة كانت قد مشت على مسار يقضي بتحييد الدولة عن الهويات الدينية والقومية العقائدية، وتجاوزت أو قطعت مع صيغة المركزية في بناء الدولة، والأمثلة في خارطة الدول المتطورة أوضح من أن يتم غض النظر، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية في صدارة من يقوم بناؤها على مبدأ الكونفدرالية الديمقراطية العلمانية؛ فليست روسيا الاتحادية في آخر القائمة؛ بل في أغلب دول الاتحاد الأوروبي، وفي الإمارات العربية المتحدة وبلدان أخرى عديدة.

وطالما أننا مازلنا في طور البحث عن المقاربة الأصوب في حل الأزمة السورية؛ فلا شك بأنه لا مناص من التركيز على عامل مهم للغاية في هذا السياق وتبعاً لأهميته أيضاً من خصوصية في الأزمة السورية التي لعب فيها التوظيف الديني الطائفي والقومي العقائدي دوراً حاسماً في إذكائها واتساعها. إنه شرط العلمانية الذي يقضي بفصل الدين عن الدولة، وفصله عن المدرسة أيضاً؛ بمعنى أن الدولة العلمانية لا تتصف بأي صفة دينية ولا يجوز أن نقول في توصيفها أن الدولة السورية على سبيل المثال أو سواها ممن تعتمد العلمانية في دستورها “إسلامية أو مسيحية” أو من أي صفة مذهبية أخرى، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال وقوف الدولة العلمانية ضد الاعتقاد الديني أو ضد الحريات الدينية وحق ممارستها؛ بل هي تضمن حرية الاعتقاد لجميع مكوناتها على ألَّا يتم إكراه فئة من المكونات على تبني طقوس أو عقائد مكون آخر ضمن مظلة الدولة، الأمر الذي يحتم بقاء الدولة في موقع محايد تجاه ديانة أو معتقد مكوناتها، ويُضاف إلى المسألة جانب آخر ضمن اعتبارات العلمنة  وهو شرط تنحية المدرسة أيضاً عن مناهج التعليم الديني الخاص بمكونات الدولة، والمقصود هنا “بالمدرسة” هي المدرسة الرسمية التي تتبع للدولة، وهذا لا يعني أيضاً الكف عن التعليم الديني، بل يبقى متاحاً لكل جماعة أن تتعلم أو تدرس أفكار وطقوس ديانتها بطرائق مشروعة وخاصة بها؛ على ألَّا يتم فرض ذلك على المكونات الأخرى. الأمر الذي يُبقِي الدين في محله كقيمة معتبرة في البناء الفوقي المتعلق بثقافة وخصوصية كل جماعة دون أخرى.

وعلى ضوء النتائج المأساوية التي قادت إليها تجربة الدولة الوطنية في سوريا وفي دول المنطقة التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية؛ يمكن الجزم بأن الإفراط في التدين وإشاعة العقائدية في دستور وبرامج الدولة؛ لم يعفِها من وقوع الكارثة، فسوريا القوموية العربية والإسلاموية التي كان عدد المنخرطين من مواطنيها ببرامج حزب البعث يُعد بملايين السكان السوريين وكان عدد المساجد التي تمتهن التعليم والإرشاد الديني الإسلامي يتجاوز عشرات الألوف في مدنها وقراها، ومع ذلك لم يصمد النسيج الاجتماعي الوطني أمام جائحة الطائفية والعرقية  والعشائرية؛ ما يدفع إلى اليقين بعجز دولة المركز الواحد والدين الواحد والقومية الواحدة عن أن تكون مظلة جامعة لكل ألوان الطيف الوطني، لأن دولة الطيف الواحد ستصطدم لامحالة بمصالح وطموحات الأطياف الأخرى.

هذه هي الدولة التي نزع عنها التفكير الأوجلاني الصفة الأخلاقية ورجَّح بديلاً واقعياً عنها متمثلاً بفكرة “دولة الأمة الديمقراطية” المستندة إلى أخوة الشعوب الحرة وعلى خياراتها الحرة، هذه الصيغة التي تجد ترجمتها الحية من خلال تطبيق الإدارة الذاتية القائمة.

زر الذهاب إلى الأعلى